جلال الدين السيوطي
137
الإتقان في علوم القرآن
أشكل على هذا آيتان : قوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] . قوله : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 46 ] . وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة : أحدها : أنّ ظلّاما وإن كان للكثرة لكنه جيء به في مقابلة : ( العبيد ) الذي هو جمع كثرة ، ويرشحه أنه تعالى قال : عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 109 ] فقابل صيغة ( فعّال ) بالجمع . وقال في آية أخرى : عالِمَ الْغَيْبِ [ الزمر : 46 ] فقابل صيغة ( فاعل ) الدالة على أصل الفعل بالواحد . الثاني : أنّه نفى الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة ؛ لأنّ الذي يظلم إنما لانتفاعه بالظلم ، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فلأن يترك القليل أولى . الثالث : أنّه على النسبة ، أي : بذي ظلم ، حكاه ابن مالك عن المحققين . الرابع : أنه أتى بمعنى ( فاعل ) لا كثرة فيه . الخامس : أنّ أقل القليل لو ورد منه تعالى لكان كثيرا ، كما يقال : زلّة العالم كبيرة . السادس : أنّه أراد : ليس بظالم ، ليس بظالم ، ليس بظالم ؛ تأكيدا للنفي ؛ فعبّر عن ذلك ب لَيْسَ بِظَلَّامٍ . السابع : أنّه ورد جوابا لمن قال : ( ظلّام ) . والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم . الثامن : أنّ صيغة المبالغة وغيرها في صفات اللّه سواء في الإثبات ، فجرى النفي على ذلك . التاسع : أنه قصد التعريض بأنّ ثم ظلّاما للعبيد من ولاة الجور . ويجاب عن الثانية بهذه الأجوبة . وبعاشر : وهو مناسبة رؤوس الآي . فائدة قال صاحب الياقوتة : قال ثعلب والمبرّد : العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا ، نحو : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [ الأنبياء : 8 ] والمعنى : إنّما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام ، وإذا كان الجحد في أول الكلام كان جحدا حقيقيّا ، نحو : ( ما زيد بخارج ) وإذا كان في أوّل الكلام جحدان كان أحدهما زائدا ، وعليه : فِيما