جلال الدين السيوطي

135

الإتقان في علوم القرآن

أصلا ، فلا يحصل منهم إلحاف . ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] أي : لا شفيع لهم أصلا . فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) [ المدثر : 48 ] أي : لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم . بدليل : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) [ الشعراء : 100 ] . ويسمّى هذا النوع عند أهل البديع : نفي الشيء بإيجابه . وعبارة ابن رشيق في تفسيره : أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه ، بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه ، وهو المنفيّ في الباطن . وعبارة غيره : أن ينفى الشيء مقيّدا ، والمراد نفيه مطلقا ، مبالغة في النفي وتأكيدا له . ومنه : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [ المؤمنون : 117 ] ، فإنّ ( الإله مع اللّه ) لا يكون إلّا عن غير برهان . وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ البقرة : 61 ] ، فإنّ قتلهم لا يكون إلّا بغير حقّ . رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [ الرعد : 2 ] ، فإنها لا عمد لها أصلا . الثالث : قد ينفى الشيء رأسا ، لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته . كقوله في صفة أهل النار : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) [ الأعلى : 13 ] فنفى عنه الموت ، لأنه ليس بموت صريح ، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة . وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ الأعراف : 198 ] ، فإنّ المعتزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية ؛ فإنّ النظر في قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 23 ] لا يستلزم الإبصار . وردّ : بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه ، وليست تبصر شيئا « 1 » . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 102 ] فإنّه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسميّ ، ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم . قاله السكاكيّ . الرابع : قالوا : المجاز يصحّ نفيه ، بخلاف الحقيقة . وأشكل على ذلك : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] فإنّ المنفيّ فيه هو الحقيقة . وأجيب : بأنّ المراد بالرّمي هنا المترتّب عليه ؛ وهو وصوله إلى الكفار ، فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة ، والتقدير : وما رميت خلقا إذ رميت كسبا ، أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء .

--> ( 1 ) لقد تواترت الأحاديث ، وأجمع العلماء على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا . وينبغي إثبات ذلك . والابتعاد عن التأويل والتحكمات التي لا أصل لها في كتاب ولا سنة . انظر كتابنا « رؤية اللّه في الآخرة » وهو ضمن مجموعة « عقائد أئمة السلف » .