جلال الدين السيوطي

131

الإتقان في علوم القرآن

الصدق والكذب . فأورد عليه : خبر اللّه تعالى ، فإنه لا يكون إلّا صادقا ؟ فأجاب القاضي بأنّه يصحّ دخوله لغة . وقيل : الذي يدخله التصديق والتكذيب ، هو سالم من الإيراد المذكور . وقال أبو الحسن البصريّ : كلام يفيد بنفسه . فأورد عليه ، نحو : ( قم ) ، فإنّه يدخل في الحدّ ؛ لأنّ القيام منسوب والطلب منسوب . وقيل : الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور : نفيا أو إثباتا . وقيل : القول المقتضي بصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفي أو الإثبات . وقال بعض المتأخرين : الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام ، والخبر خلافه . وقال بعض من جعل الأقسام ثلاثة : الكلام إن أفاد بالوضع طلبا ، فلا يخلو : إمّا أن يكون بطلب ذكر الماهيّة ، أو تحصيلها ، أو الكف عنها . والأول الاستفهام ، والثاني الأمر ، والثالث النهي . وإن لم يفد طلبا بالوضع : فإن لم يحتمل الصدق والكذب سمّي تنبيها وإنشاء ، لأنك نبّهت به على مقصودك وأنشأته : أي : ابتكرته ، من غير أن يكون موجودا في الخارج ، سواء أفاد طلبا باللازم كالتمنّي والترجّي والنداء والقسم ، أم لا : كأنت طالق . وإن احتملهما من حيث هو فهو الخبر . فصل القصد بالخبر إفادة المخاطب ، وقد يرد بمعنى الأمر : نحو : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ [ البقرة : 233 ] ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] . وبمعنى النهي : نحو : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) [ الواقعة : 79 ] . وبمعنى الدعاء : نحو : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] . أي : أعنّا . ومنه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) [ المسد : 1 ] ؛ فإنه دعاء عليه . وكذا : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [ المائدة : 64 ] . وجعل منه قوم : حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [ النساء : 90 ] قالوا : هو دعاء عليهم بضيق صدورهم عن قتال أحد « 1 » .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي 1 / 461 ، والدر المصون 4 / 68 ، والتسهيل 1 / 151 . قال الحدادي في وضح البرهان 1 / 291 : « ويجوز على معنى الدعاء ، فيكون اعتراضا » ا ه .