جلال الدين السيوطي
12
الإتقان في علوم القرآن
وجوابه : أنّ الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى ، فتوجل القلوب لذلك ، وقد جمع بينهما في قوله : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] . ومما استشكلوه « 1 » : قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) [ الكهف : 55 ] ، فإنّه يدلّ على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين . وقال في آية أخرى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) [ الإسراء : 94 ] ، فهذا حصر آخر في غيرهما . وأجاب ابن عبد السلام « 2 » : بأن معنى الآية الأولى : وما منع الناس أن يؤمنوا إلّا إرادة أن تأتيهم سنّة الأوّلين من الخسف أو غيره ، أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة . فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ، ولا شكّ أنّ إرادة اللّه مانعة من وقوع ما ينافي المراد . فهذا حصر في السبب الحقيقيّ ، لأن اللّه هو المانع في الحقيقة . ومعنى الآية الثانية : وما منع النّاس أن يؤمنوا إلّا استغراب بعثه بشرا رسولا ، لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان ؛ لأنه لا يصلح لذلك ؛ وهو يدلّ على الاستغراب بالالتزام ؛ وهو المناسب للمانعية ، واستغرابهم ليس مانعا حقيقيّا بل عاديا ؛ لجواز وجود الإيمان معه ، بخلاف إرادة اللّه تعالى . فهذا حصر في المانع العاديّ ؛ والأول حصر في المانع الحقيقيّ ، فلا تنافي أيضا . ومما استشكل أيضا : قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الأنعام : 21 ] ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [ الزمر : 32 ] ، مع قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ الكهف : 57 ] ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ [ البقرة : 114 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . ووجهه : أن المراد بالاستفهام هنا النفي ، والمعنى : لا أحد أظلم ، فيكون خبرا ، وإذا كان خبرا وأخذت الآيات على ظواهرها أدّى إلى التناقض . وأجيب بأوجه : منها : تخصيص كلّ موضع بمعنى صلته : أي لا أحد من المعاندين أظلم ممّن منع
--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 65 . ( 2 ) في كتابه الفوائد في مشكل القرآن ص 112 - 113 .