جلال الدين السيوطي
11
الإتقان في علوم القرآن
وقيل : إنّ السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ ، والمنفيّ سؤال المعذرة وبيان الحجة . وكقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . مع قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] . حمل الشيخ أبو الحسن الشاذليّ « 1 » الآية الأولى على التوحيد ، بدليل قوله بعدها : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 102 ] . والثانية على الأعمال . وقيل : بل الثانية ناسخة للأولى . وكقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [ النساء : 3 ] ، مع قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [ النساء : 129 ] ، فالأولى تفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه . والجواب : أنّ الأولى في توفية الحقوق ، والثانية في الميل القلبيّ ، وليس في قدرة الإنسان . وكقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] . مع قوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] ، فالأولى في الأمر الشرعيّ ، والثانية في الأمر الكونيّ بمعنى القضاء والتقدير . الثالث : لاختلافهما في جهتي الفعل ، كقوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] : أضيف القتل إليهم ، والرمي إليه صلّى اللّه عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة ، ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير . الرابع : لاختلافهما في الحقيقة والمجاز ، كقوله : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] . أي : سكارى من الأهوال مجازا ، لا من الشراب حقيقة . الخامس : بوجهين واعتبارين ، كقوله فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] ، مع قوله : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [ الشورى : 45 ] ، قال قطرب : ( فبصرك ) أي : علمك ومعرفتك بها قوية ، من قولهم : بصر بكذا : أي : علم ، وليس المراد رؤية العين . قال الفارسيّ : ويدلّ على ذلك قوله : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ ق : 22 ] . وكقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [ الرعد : 28 ] ، مع قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] ، فقد يظنّ أنّ الوجل خلاف الطمأنينة .
--> ( 1 ) نقله في البرهان 2 / 57 .