جلال الدين السيوطي
108
الإتقان في علوم القرآن
فإن قلت : هذا النوع أحد أقسام النوع الذي قبله ، فإنّ منها التأكيد بتكرار اللفظ ، فلا يحسن عدّه نوعا مستقلا . قلت : هو يجامعه ويفارقه ، ويزيد عليه وينقص عنه ، فصار أصلا برأسه . فإنه يكون التأكيد تكرارا كما تقدّم في أمثلته ، وقد لا يكون تكرارا كما تقدم - أيضا - ، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة ، وإن كان مفيدا للتأكيد معنى . ومنه : ما وقع فيه الفصل بين المكرّرين ؛ فإنّ التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكّده ، نحو : اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ [ الحشر : 18 ] . إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ [ آل عمران : 42 ] فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي . ومنه : الآيات المتقدمة في التكرير للطول . ومنه : ما كان لتعدّد المتعلّق « 1 » ، بأن يكون المكرّر ثانيا متعلّقا بغير ما تعلّق به الأول ، وهذا القسم يسمّى بالترديد ، كقوله : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [ النور : 35 ] وقع فيها الترديد أربع مرات . وجعل منه قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 13 ، 16 ] فإنّها وإن تكرّرت نيّفا وثلاثين مرة ، فكلّ واحدة تتعلّق بما قبلها ، ولذلك زادت على ثلاثة ، ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة ؛ لأنّ التأكيد لا يزيد عليها . قال ابن عبد السلام وغيره . وإن كان بعضها ليس بنعمة ، فذكر النقمة للتحذير نعمة . وقد سئل : أيّ نعمة في قوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) [ الرحمن : 26 ] ؟ فأجيب بأجوبة . أحسنها : النقل من دار الهموم إلى دار السرور ، وإراحة المؤمن والبارّ من الفاجر « 2 » . وكذا قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) في سورة المرسلات ؛ لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة ، وأتبع كل قصّة بهذا القول ؛ فكأنه قال عقب كل قصّة : ويل يومئذ للمكذّب بهذه القصة « 3 » . وكذا قوله في سورة الشعراء [ الآية : 8 ] : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 18 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 18 . ( 3 ) انظر البرهان 3 / 19 .