الشنقيطي

84

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إلى المناظرة في ذلك ، فقال النصرانيّ : المتّفق عليه أحقّ بالاتّباع أم المختلف فيه ؟ فقال العالم : المتّفق عليه أحقّ بالاتّباع من المختلف فيه . فقال النصرانيّ : إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا ، وترك اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأننا نحن وأنتم نتّفق على نبوّة عيسى ، ونخالفكم في نبوة محمّد عليهما الصلاة والسلام ، فقال المسلم : أنتم الذين تمتنعون من اتباع المتّفق عليه ، لأن المتّفق عليه الذي هو عيسى قال لكم : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، فلو كنتم متّبعين عيسى حقا لاتّبعتم محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ، فظهر أنّكم أنتم الّذين لم تتّبعوا المتّفق عليه ولا غيره ، فانقطع النصرانيّ . ولا شكّ أن النّصارى لو كانوا متّبعين عيسى ، لاتّبعوا محمّدا صلى اللّه عليه وسلم . قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ 47 ] . قد قدّمنا أنّ هذه الآية في النّصارى ، والّتي قبلها في اليهود ، والّتي قبل تلك في المسلمين ، كما يقتضيه ظاهر القرآن . وقد قدّمنا أنّ الكفر ، والظلم ، والفسق كلّها يطلق على المعصية بما دون الكفر ، وعلى الكفر المخرج من الملّة نفسه . فمن الكفر بمعنى المعصية ؛ قوله صلى اللّه عليه وسلم لمّا سألته المرأة عن سبب كون النّساء أكثر أهل النار ، « إنّ ذلك واقع بسبب كفرهنّ » ثمّ فسّره بأنّهنّ يكفرن العشير ، ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملّة ، قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) [ الكافرون : 1 - 2 ] الآية . ومن الظّلم بمعنى الكفر قوله تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) [ البقرة : 254 ] ، وقوله : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) [ يونس : 106 ] ، وقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ لقمان : 13 ] ، ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [ فاطر : 32 ] الآية ، ومن الفسق بمعنى الكفر قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السجدة : 20 ] الآية ، ومنه بمعنى المعصية قوله في الذين قذفوا عائشة ، رضي اللّه عنها : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) [ النور : 4 ] . ومعلوم أنّ القذف ليس بمخرج عن الملّة ، ويدّل له قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [ النور : 11 ] ، ومن الفسق بمعنى المعصية أيضا ، قوله في الوليد بن عقبة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ الحجرات : 6 ] الآية .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري البخاري في الحيض حديث 304 ، والزكاة حديث 1462 ، وأخرجه عن ابن عمر مسلم في الإيمان حديث 132 . وأخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في صلاة العيدين حديث 4 . وأخرجه عن ابن عباس : البخاري في الكسوف حديث 1052 ، والنكاح حديث 5197 ، ومسلم في الكسوف حديث 17 .