الشنقيطي
80
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بالتوحيد ، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأوّل إلّا أنّ الشّعبيّ قال : هي في اليهود خاصّة ، واختاره النحّاس قال : ويدلّ على ذلك على ثلاثة أشياء ؛ منها أنّ اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله تعالى لِلَّذِينَ هادُوا [ المائدة : 44 ] فعاد الضمير عليهم . ومنها أنّ سياق الكلام يدّل على ذلك ؛ ألا ترى أنّ بعده وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ [ المائدة : 45 ] ، فهذا الضمير لليهود بإجماع ؛ وأيضا فإنّ اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص ، فإن قال قائل « من » إذا كانت للمجازاة فهي عامّة إلّا أن يقع دليل على تخصيصها قيل له : « من » هنا بمعنى الّذي ، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون ، فهذا من أحسن ما قيل في هذا . ويروى أنّ حذيفة سئل عن هذه الآيات ، أهي في بني إسرائيل ، فقال : نعم هي فيهم ، ولتسلكنّ سبيلهم حذو النعل بالنعل « 1 » ، وقيل : الْكافِرُونَ للمسلمين ، و الظَّالِمُونَ * لليهود و الْفاسِقُونَ * للنصارى ، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنّه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عبّاس ، وجابر بن زيد ، وابن أبي زائدة ، وابن شبرمة والشعبيّ أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملّة ، ولكنه كفر دون كفر . وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنّه من عند اللّه فهو تبديل له يوجب الكفر ؛ وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنّة في الغفران للمذنبين . قال القشيري : ومذهب الخوارج أنّ من ارتشى ، وحكم بحكم غير اللّه فهو كافر ، وعزا هذا إلى الحسن والسّدّي ، وقال الحسن أيضا : أخذ اللّه على الحكّام ثلاثة أشياء : ألّا يتّبعوا الهوى ، وألّا يخشوا الناس ويخشوه ، وألّا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ، انتهى كلام القرطبي « 2 » . قال مقيده عفا اللّه عنه : الظاهر المتبادر من سياق الآيات أنّ آية هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) نازلة في المسلمين ، لأنّه تعالى قال قبلها مخاطبا لمسلمي هذه الأمّة فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [ المائدة : 44 ] ، ثمّ قال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية ، وعليه فالكفر إمّا كفر دون كفر ، وإمّا أن يكون فعل ذلك مستحلا له ، أو قاصدا به جحد أحكام اللّه وردّها مع العلم بها . أمّا من حكم بغير حكم اللّه ، وهو عالم أنّه مرتكب ذنبا فاعل قبيحا ، وإنّما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين ، وسياق القرآن ظاهر أيضا في أنّ آية
--> ( 1 ) أخرجه عن حذيفة ابن جرير الطبري في جامع البيان 6 / 163 ، 164 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 6 / 190 ، 191 .