الشنقيطي

72

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبّة ، ثمّ إنّ هذا قياس أصل على أصل ، وهو مختلف فيه ، وقياس الأعلى بالأدنى ، وذلك عكس القياس ، وكيف يصحّ أن يقاس المحارب على السارق ، وهو يطلب خطف المال ؟ فإن شعر به فرّ ، حتّى إنّ السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال ، فإن منع منه ، أو صيح عليه حارب عليه ، فهو محارب يحكم بحكم المحاربين ، ا ه كلام ابن العربي . ويشهد لهذا القول ، عدم اشتراط الإخراج من حرز فيما يأخذه المحارب في قطعه ، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ ، فهو قول أكثر العلماء ، وعن الشافعيّ ، وأحمد فيه روايتان ، والتحقيق عدم اشتراط المكافأة في قتل الحرابة ؛ لأن القتل فيها ليس على مجرّد القتل ، وإنّما هو على الفساد العامّ من إخافة السبيل ، وسلب المال . قال اللّه تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا [ 33 ] . فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين ، وهما المحاربة ، والسعي في الأرض بالفساد ، ولم يخصّ شريفا من وضيع ، ولا رفيعا من دنيء ، ا ه من القرطبيّ . قال مقيّده ، عفا اللّه عنه : وممّا يدلّ على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة ، إجماع العلماء على أنّ عفو وليّ المقتول في الحرابة لغو لا أثر له ، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل ، فهو دليل على أنّها ليست مسألة قصاص خالص ، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة . * * * [ تتمة المسائل من أحكام المحاربين ] المسألة الثالثة : [ حمل المحاربون على قافلة ] إذا حمل المحاربون على قافلة مثلا ، فقتل بعضهم بعض القافلة ، وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد ، فهل يقتل الجميع ، أو لا يقتل إلّا من باشر القتل ، فيه خلاف ، والتحقيق قتل الجميع ، لأنّ المحاربة مبنيّة على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة ، فلا يتمكّن المباشر من فعله ، إلّا بقوّة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته ، ولو قتل بعضهم ، وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم كلهم ، وصلبهم كلهم ؛ لأنّهم شركاء في كلّ ذلك ، وخالف في هذا الشافعي رحمه اللّه فقال : لا يجب الحدّ إلّا على من ارتكب المعصية ، ولا يتعلّق بمن أعانه عليها كسائر الحدود ، وإنّما عليه التعزير . * * * المسألة الرابعة : إذا كان في المحاربين صبيّ ، أو مجنون ، أو أب المقطوع عليه ، فهل يسقط الحدّ عن كلّهم ؟ ويصير القتل للأولياء إن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا عفوا نظرا إلى أنّ حكم الجميع واحد ، فالشّبهة في فعل واحد شبهة في الجميع ، وهو قول أبي حنيفة ، أو لا