الشنقيطي

64

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال القرطبي « 1 » في تفسير قوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [ البقرة : 178 ] الآية ما نصّه ، ولا يصحّ لهم ما رووه من حديث ربيعة « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر » لأنّه منقطع ، ومن حديث ابن البيلمانيّ ، وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مرفوعا ، قال الدارقطني : لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى ، وهو متروك الحديث . والصواب عن ربيعة ، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وابن البيلماني ضعيف الحديث ، لا تقوم به حجّة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر ، فاعلم أنّ كونه لا يقتل به ثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه مبيّنا بطلان تلك الأدلة الّتي لا يعوّل عليها . فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب « كتابة العلم » ، وفي باب « لا يقتل المسلم بالكافر » أنّ أبا جحيفة سأل عليّا رضي اللّه عنه : هل عندكم شيء ممّا ليس في القرآن ؟ فقال : لا ، والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة إلّا فهما يعطيه اللّه رجلا في كتابه ، وما في هذه الصّحيفة قلت : وما في الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، وألّا يقتل مسلم بكافر « 2 » . فهذا نصّ صحيح قاطع للنزاع مخصّص لعموم النفس بالنفس ، مبيّن عدم صحّة الأخبار المرويّة بخلافه ، ولم يصحّ في الباب شيء يخالفه ، قال ابن كثير في تفسيره « 3 » بعد أن ساق حديث عليّ هذا : ولا يصحّ حديث ، ولا تأويل يخالف هذا ، وقال القرطبيّ في تفسيره « 4 » : قلت : فلا يصحّ في الباب إلّا حديث البخاري ، وهو يخصّص عموم قوله تعالى : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] ، الآية . وعموم قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] فهذا الّذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث ، والأحرار والعبيد ، والمسلمين والكفّار . وأمّا حكم القصاص بينهم في الأطراف ، فجمهور العلماء على أنّه تابع للقصاص في الأنفس ، فكلّ شخصين يجري بينهما القصاص في النفس ، فإنّه يجري بينهما في الأطراف ، فيقطع الحرّ المسلم بالحرّ المسلم ، والعبد بالعبد ، والذّميّ بالذميّ ، والذكر بالأنثى ، والأنثى بالذكر ، ويقطع الناقص بالكامل ، كالعبد بالحر ، والكافر بالمسلم . ومشهور مذهب مالك أنّ الناقص لا يقتصّ منه للكامل في الجراح ، فلا يقتصّ من عبد جرح حرا ، ولا من كافر جرح مسلما ، وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره : والجرح كالنفس في الفعل ، والفاعل والمفعول ، إلّا ناقصا جرح كاملا ، يعني فلا

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 2 / 247 . ( 2 ) أخرجه البخاري في العلم حديث 111 ، والديات حديث 6915 . ( 3 ) 1 / 211 . ( 4 ) الجامع لأحكام القرآن 2 / 247 .