الشنقيطي
39
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فإذا عرفت نصوص السنة في المسألة فاعلم أن الواجب في المسح الكفان فقط ، ولا يبعد ما قاله مالك رحمه اللّه من وجوب الكفين ، وسنية الذراعين إلى المرفقين ، لأن الوجوب دل عليه الحديث المتفق عليه في الكفين . وهذه الروايات الواردة بذكر اليدين إلى المرفقين تدل على السنية ، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال ، فإن بعضها يشد بعضا ، لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يقوي بعضها بعضا حتى يصلح مجموعها للاحتجاج : لا تخاصم بواحد أهل بيت ، فضعيفان يغلبان قويا ، وتعتضد أيضا بالموقوفات المذكورة . والأصل إعمال الدليلين ، كما تقرر في الأصول . * * * المسألة الرابعة : هل يجب الترتيب في التيمم أو لا ؟ ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين ركن من أركان التيمم ، وحكى النووي عليه اتفاق الشافعية ، وذهبت جماعة منهم مالك ، وجل أصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين سنة . ودليل تقديم الوجه على اليدين أنه تعالى قدمه في آية النساء ، وآية المائدة ، حيث قال فيهما : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [ المائدة : 6 ] . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « أبدأ بما بدأ اللّه به » « 1 » يعني قوله : * إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ [ البقرة : 158 ] الآية ، وفي بعض رواياته « ابدؤوا » « 2 » بصيغة الأمر . وذهب الإمام أحمد ، ومن وافقه إلى تقديم اليدين ، مستدلا بما ورد في صحيح البخاري في باب « التيمم ضربة » من حديث عمار بن ياسر رضي اللّه عنهما « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال له : إنّما كان يكفيك أن تصنع هكذا ، فضرب بكفّيه ضربة على الأرض ، ثمّ نفضها ، ثمّ مسح ظهر كفّه بشماله ، أو ظهر شماله بكفّه ، ثمّ مسح بها وجهه » « 3 » ، الحديث .
--> ( 1 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في الحج حديث 147 ، والدارمي في المناسك 2 / 44 ، وأبو داود في المناسك حديث 1905 ، والترمذي في الحج حديث 862 ، والنسائي في مناسك الحج باب القول بعد ركعتي الطواف ، وباب ذكر الصفا والمروة وباب الذكر والدعاء على الصفا ، وابن ماجة في المناسك حديث 3074 ، ومالك في الحج حديث 126 ، وأحمد في المسند 3 / 320 ، 388 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الطهارة 1 / 85 ، وكتاب صلاة العيدين 3 / 315 ، وكتاب الحج 5 / 93 . ( 2 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : أحمد في المسند 3 / 393 ، والدارقطني في الحج حديث ( 79 و 80 و 81 و 82 ) 2 / 254 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الطهارة 1 / 58 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التيمم حديث 347 .