الشنقيطي

359

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وصرح في « الكهف » بأنه لا يترك منهم أحدا ، بقوله : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) [ الكهف : 47 ] . قوله تعالى : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [ 30 ] الآية : صرح في هذه الآية الكريمة ، بأن كل نفس يوم القيامة تبلو ، أي تخبر وتعلم ما أسلفت ، أي قدمت من خير وشر ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) [ القيامة : 13 ] وقوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) [ الطارق : 9 ] وقوله : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ الإسراء : 13 - 14 ] وقوله : وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] الآية : وأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية وجهان : أحدهما : أنها تتلو بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت ، فيرجع إلى الأولى . والثاني : أن كل أمة تتبع عملها ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لتتبع كل أمة ما كانت تعبده فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس » « 1 » الحديث . قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إلى قوله : فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) [ 31 ] . صرح اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة ، بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا ، هو ربهم الرزاق المدبر للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء ، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته ، ومع هذا أشركوا به جل وعلا . والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا ؛ ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل وعلا كثيرة ، كقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] وقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) [ الزخرف : 9 ] وقوله : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إلى قوله : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) [ المؤمنون : 89 ] إلى غير ذلك من الآيات ، ولذا قال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [ يوسف : 106 ] . والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا ، لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا اللّه نفيا وإثباتا ، وقد أوضحناه في سورة « الفاتحة » في الكلام على قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في التوحيد حديث 7437 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 .