الشنقيطي
35
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومكحول ، والأوزاعي ، وإسحاق ، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره ، وهو قول عامة أهل الحديث ، ودليله حديث عمار المتفق عليه المتقدم آنفا . وذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا بد من ضربتين : إحداهما للوجه ، والأخرى للكفين ، ومنهم من قال بوجوب الثانية ، ومنهم من قال بسنيتهما كمالك ، وذهب ابن المسيب ، وابن شهاب ، وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة لليدين ، وضربة للذراعين . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : الظاهر من جهة الدليل الاكتفاء بضربة واحدة ؛ لأنه لم يصح من أحاديث الباب شيء مرفوعا ، إلا حديث عمار المتقدم ، وحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصّمّة الأنصاريّ ، قال : « أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، من نحو بئر جمل فلقيه رجل ، فسلمّ عليه ، فلم يردّ عليه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حتّى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثمّ ردّ عليه السلام » أخرجه البخاري موصولا « 1 » ، ومسلم تعليقا « 2 » ، وليس في واحد منهما ما يدل على أنهما ضربتان كما رأيت ، وقد دل حديث عمار أنها واحدة . * * * المسألة الثالثة : هل يلزم في التيمم مسح غير الكفين ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فأوجب بعضهم المسح في التيمم إلى المرفقين ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعيّ ، وأصحابهما ، والثوريّ ، وابن أبي سلمة ، والليث ، كلهم يرون بلوغ التيمم بالمرفقين فرضا واجبا ، وبه قال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ، وابن نافع ، وإليه ذهب إسماعيل القاضي . قال ابن نافع : من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبدا ، وقال مالك في المدونة : يعيد في الوقت ، وروي التيمم إلى المرفقين مرفوعا ، عن جابر بن عبد اللّه ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعائشة وعمار ، والأسلع ، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء اللّه تعالى ، وبه كان يقول ابن عمر ، وقال ابن شهاب : يمسح في التيمم إلى الآباط . واحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين ، وبأن ابن عمر كان يفعله ، وبالقياس على الوضوء ، وقد قال تعالى فيه : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [ المائدة : 6 ] . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : الذي يظهر من الأدلة - واللّه تعالى أعلم - أن الواجب في التيمم هو مسح الكفين فقط ، لما قدمنا من أن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح
--> ( 1 ) كتاب التيمم حديث 337 . ( 2 ) كتاب الحيض حديث 114 .