الشنقيطي

289

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الجيش شركاؤهم ، ولا خلاف في ذلك بين العلماء ، كما قاله القرطبي . الثاني : من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها : تنفيل بعض الجيش ، لشدة بأسه ، وغنائه ، وتحمله ما لم يتحمله غيره ، والدليل على ذلك ما ثبتت في [ صحيح مسلم ] « 1 » ، ورواه الإمام أحمد « 2 » ، وأبو داود « 3 » عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه ، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري ، على سرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واستنقاذه منه . قال سلمة : فلما أصبحنا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : خير فرساننا اليوم ، أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة قال : ثم أعطاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سهمين : سهم الفارس ، وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا . الحديث . هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل . وقد قدمنا أن هذه غزوة « ذي قرد » في سورة « النساء » ، ويدل لهذا أيضا : حديث سعد ابن أبي وقاص المتقدم في أول السورة ، فإن فيه : أن سعدا رضي اللّه عنه قال : لعله يعطي هذا السيف لرجل لم يبل بلائي ، وقتله صاحب السيف كما تقدم . الثالث : من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها : أن يقول الإمام : « من قتل قتيلا فله سلبه » . ومن الأدلة على ذلك : ما رواه الشيخان في صحيحيهما ، عن أبي قتادة رضي اللّه عنه قال : « خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين ، فلما التقينا كانت المسلمين جولة ، قال : فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ؛ وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقال : ما للناس ؟ فقلت : أمر اللّه ، ثم إن الناس رجعوا ، وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه » قال : فقمت ، ثم قلت : من يشهد لي ؟ ، ثم جلست ، ثم قال مثل ذلك ، قال فقمت فقلت من يشهد لي ؟ ، ثم جلست ، ثم قال ذلك الثالثة ، فقمت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما لك يا أبا قتادة ؟ » فقصصت عليه القصة ، فقال رجل من القوم ، صدق يا رسول اللّه سلب ذلك القتيل عندي ؛ فأرضه من حق ، فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : لا ها اللّه إذا لا يعمد إلى أسد من أسد اللّه يقاتل عن اللّه وعن رسوله ، فيعطيك سلبه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « صدق فأعطه إياه » فأعطاني ، قال : فبعت الدرع فابتعت مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام « 4 » .

--> ( 1 ) كتاب الجهاد والسير حديث 132 . ( 2 ) المسند 4 / 49 . ( 3 ) كتاب الجهاد حديث 2752 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الخمس حديث 3142 ، والبيوع حديث 2100 ، والمغازي حديث 4321 و 4322 ، والأحكام حديث 7170 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 41 .