الشنقيطي
277
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
واحتج أهل هذا القول أيضا . بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم ، لم يبق لمن جاء بعد الغانمين شيء ، واللّه أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [ الحشر : 10 ] الآية ، فإنه معطوف على قوله : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا [ الحشر : 8 ] وقوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] الآية ، وقول من قال . إن قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [ الحشر : 10 ] مبتدأ خبره يَقُولُونَ [ الحشر : 10 ] غير صحيح . لأنه يقتضي أنه تعالى . أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا [ الحشر : 10 ] الآية . والواقع خلافه ، لأن كثيرا ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم ، والحق أن قوله : وَالَّذِينَ جاؤُ معطوف على ما قبله ، وجملة يَقُولُونَ حال كما تقدم في « آل عمران » ، وهي قيد لعاملها وصف لصاحبها . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : هذه الأدلة التي استدل بها المالكية ، لا تنهض فيما يظهر ، لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها ، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيرا ، فاختار إبقاءها للمسلمين ، ولم يكن واجبا في أول الأمر ، كما قدمنا . والاستدلال بآية الحشر المذكورة ، واضح السقوط ، لأنها في الفيء ، والكلام في الغنيمة ، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا . قال مقيده : - عفا اللّه عنه - أظهر الأقوال دليلا أن الإمام مخير ، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفا ، وبه تنتظم الأدلة ، ولم يكن بينها تعارض ، والجمع واجب متى ما أمكن . وغاية ما في الباب : أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى : * وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 41 ] الآية . وتخصيص الكتاب بالسنة كثير . قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ذكر القول بالتخيير : ما نصه : قال شيخنا أبو العباس رضي اللّه عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ، ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي اللّه عنه قطعا . ولذلك قال : « لولا آخر الناس » فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولا بتخصيصه بهم . فإن قيل : لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي : لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة ، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحا ، والنضير فيء ، وقريظة قسمت . ولو قال قائل : إنها فيء أيضا ؛ لنزولهم على حكم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قبل أن يحكم فيهم