الشنقيطي

264

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة المسألة الأولى : [ أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها ، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم ] اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها ، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم ، ويدل لهذا قوله تعالى : غَنِمْتُمْ ، فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم ، ونظير ذلك قوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [ النساء : 11 ] أي ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا ، فكذلك قوله : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أي وللغائمين ما بقي ، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه ، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر وابن عبد البر ، والداودي والمازري ، والقاضي عياض وابن العربي ، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم ، وهو قول كثير من المالكية ، ونقله عنهم المازري - رحمه اللّه - أيضا قالوا : للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين ، ويمنع منها الغزاة الغانمين . واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ الأنفال : 1 ] الآية . قالوا : الأنفال : الغنائم كلها ، والآية محكمة لا منسوخة ، واحتجوا لذلك أيضا بما وقع في فتح مكة ؛ وقصة حنين قالوا : إنه صلى اللّه عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل ، ومن على أهلها فردها عليهم ، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش ، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة ؛ قالوا : وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين ، أعطى منها عطايا عظيمة جدا ، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله : أعطى عطايا شهدت بالكرم * يومئذ له ولم تجمجم أعطى عطايا أخجلت دلح الديم * إذا ملأت رحب الغضا من النعم زهاء ألفي ناقة منها وما * ملأ بين جبلين غنما لرجل وبله ما لحلقه * منها ومن رقيقه وورقه الخ قالوا : لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها ، لما أعطى صلى اللّه عليه وسلم ألفي ناقة من غنائم هوزان لغير الغزاة ، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية ، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل ، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور :