الشنقيطي
246
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومنها : أن المعنى الآية أنهم أخذ عليهم الميثاق ، فآمنوا كرها ، فما كانوا ليؤمنوا بعد ذلك طوعا . ويروى هذا عن السدي وهو راجع في المعنى إلى الأول . ومنها : أن معنى الآية أنهم لو ردوا إلى الدنيا مرة لكفروا أيضا ، فما كان ليؤمنوا في الرد إلى الدنيا بما كذبوا به من قبل أي في المرة الأولى . ويروى هذا عن مجاهد . ويدل لمعنى هذا القول قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] الآية . لكنه بعيد من ظاهر الآية . ومنها : أن معنى الآية . فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم ، وهذا القول حكاه ابن عطية ، واستحسنه ابن كثير ، وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية الكريمة . ووجهه ظاهر ، لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى ، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة . كقوله تعالى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] ، وقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ [ الصف : 5 ] ، وقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] ، وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [ المنافقون : 3 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد تكون فيها أوجه من التفسير كلها يشهد له قرآن ، وكلها حق . فنذكر جميعها - والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها [ 103 ] الآية . بين تعالى هنا أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى ، وصرح في النمل بأنهم فعلوا ذلك جاحدين لها ، مع أنهم مستيقنون أنها حق لأجل ظلمهم وعلوهم ؛ وذلك في قوله : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 13 - 14 ] . وقوله تعالى : وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) [ 108 ] . ذكر تعالى هنا أن موسى نزع يده فإذا هي بيضاء ، ولم يبين أن ذلك البياض خال من البرص ، ولكنه بين ذلك في سورة « النمل » و « القصص » في قوله فيهما : تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [ النمل : 12 ] أي من غير برص . قوله تعالى : قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) [ 109 ] . بين هنا أن موسى لما جاء بآية العصا واليد قال الملأ من قوم فرعون إنه ساحر ، ولم يبين ماذا قال فرعون : ولكنه بين في « الشعراء » أن فرعون قال مثل ما قال الملأ من قومه ،