الشنقيطي

234

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يُغْنِهِمُ اللَّهُ [ النور : 32 ] الآية ، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله ، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه ، وعجزه وافتقاره ، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق ، كما بيناه في صفات المعاني . وأما الصفات النفسية عندهم : فهي واحدة ، وهي الوجود ، وقد علمت ما في إطلاقها على اللّه ، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة ، كأبي الحسن الأشعري ، وعلى كل حال ، فلا يخفى أن الخالق موجود ، والمخلوق موجود ، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق ، كما بينا . ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان ، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم . وأما الصفات الفعلية ، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن ، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته ، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه ، قال : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [ الذاريات : 58 ] الآية ، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 39 ) [ سبأ : 39 ] ، وقال : * وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] الآية . وقال في وصف الحادث بذلك : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [ النساء : 8 ] الآية ، وقال : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ [ البقرة : 233 ] الآية ، ووصف نفسه بالعمل ، فقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [ يس : 71 ] الآية ، وقال في وصف الحادث به : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) [ السجدة : 17 ] ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 1 - 4 ] . وقال في وصف الحادث به : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ الجمعة : 2 ] الآية . وجمع المثالين في قوله تعالى : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [ المائدة : 4 ] ، ووصف نفسه بأنه ينبئ ، ووصف المخلوق بذلك ، وجمع المثالين في قوله تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ( 3 ) [ التحريم : 3 ] . ووصف نفسه بالإيتاء ، فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ، وقال : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ، وقال : وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [ هود : 3 ] ، وقال : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ المائدة : 54 ] . وقال في وصف الحادث بذلك : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً [ النساء : 20 ] ، وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] ، وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] . وأمثال هذا كثيرة جدا