الشنقيطي
232
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله ، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله . وبين سمع الخالق وبصره ، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق . وقال في وصف نفسه بالكلام وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) [ النساء : 164 ] ، إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] ، فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] ونحو ذلك من الآيات . وقال في وصف المخلوق به : فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) [ يوسف : 54 ] ؛ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ [ يس : 65 ] الآية قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) [ مريم : 29 ] ، ونحو ذلك من الآيات . فله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله ؛ وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله . وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق . وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني . والمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون : هو تعالى حي قادر ، مريد عليم ، سميع بصير ، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته ، ولا إرادة قائمة بذاته هكذا فرارا منهم من تعدد القديم . ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل . لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود ، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد ، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات ، استحال أن تقول : هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك ، ولم يقم بها علم ولا قدرة . قال في « مراقي السعود » : وعند فقد الوصف لا يشتق * وأعوز المعتزلي الحق وأما الصفات المعنوية عندهم : فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة ، وهي كونه تعالى : قادرا ، مريدا ، عالما ، حيا ، سميعا ، بصيرا ، متكلما . والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني ، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني ، مبني على ما يسمونه الحال المعنوية . زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود ، ولا معدوم ؛ والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له ، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها ؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة . فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان ، ولا يرتفعان ، ولا واسطة بينهما البتة ، فكل ما هو غير موجود ، فإنه معدوم