الشنقيطي
229
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أحدهما : تنزيه اللّه جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . والثاني : الإيمان بكل ما وصف اللّه به نفسه في كتابه ، أو وصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم . لأنه لا يصف اللّه أعلم باللّه من اللّه أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [ البقرة : 140 ] ، ولا يصف اللّه بعد اللّه أعلم باللّه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي قال فيه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) [ النجم : 3 - 4 ] فمن نفى عن اللّه وصفا أثبته لنفسه في كتابه العزيز ، أو أثبته له رسوله صلى اللّه عليه وسلم زاعما أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق باللّه جل وعلا ، فقد جعل نفسه أعلم من اللّه ورسوله بما يليق باللّه جل وعلا . سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) [ النور : 16 ] . ومن اعتقد أن وصف اللّه يشابه صفات الخلق ، فهو مشبه ملحد ضال ، ومن أثبت للّه ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى اللّه عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق ، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال ، والتنزيه عن مشابهة الخلق ، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل ، والآية التي أوضح اللّه بها هذا ؛ هي قوله تعالى : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى : 11 ] فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال . والظاهر أن السر في تعبيره بقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) دون أن يقول مثلا : وهو العلي العظيم أو نحو ذلك من الصفات الجامعة ؛ أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات . فبين أن اللّه متصف بهما ، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى ، وبين صفات خلقه . ولذا جاء بقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) بعد قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة ، وسنوضح إن شاء اللّه هذه المسألة إيضاحا تاما بحسب طاقتنا ، وباللّه جل وعلا التوفيق . اعلم أولا : أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام : صفة نفسية ، وصفة سلبية ، وصفة معنى ، وصفة معنوية ، وصفة فعلية ، وصفة جامعة ، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية . لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة ، فهي صفة إضافية ، وليست كل صفة إضافية فعلية فبينهما عموم وخصوص من وجه ، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة ، وتتفرد الفعلية في نحو الاستواء ، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجودا قبل كل شيء ، وأنه فوق كل شيء ، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية ، وليستا من صفات الأفعال ،