الشنقيطي

224

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

شقاوة ، فإنكم تصيرون إليه . فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة ، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة ، ويدل لهذا الوجه قول بعده : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . وهو ظاهر كما ترى ، ومن الآيات الدالة عليه أيضا قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] ، وقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] الآية ، أي ولذلك الاختلاف إلى شقي ، وسعيد خلقهم . الوجه الثاني : أن معنى قوله : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) ، أي كما خلقكم أولا ، ولم تكونوا شيئا ، فإنه يعيدكم مرة أخرى . ويبعثكم من قبوركم أحياء بعد أن متم وصرتم عظاما رميما ، والآيات الدالة على هذا الوجه كثيرة جدا ، كقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا [ الأنبياء : 104 ] الآية ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ الروم : 27 ] الآية ، وقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] الآية ، وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه قد يكون في الآية وجهان ، وكل واحد منهما حق ، ويشهد له القرآن ، فنذكر الجميع ، لأنه كله حق ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) [ 30 ] . وبين تعالى في هذه الآية الكريمة ، أن الكفار اتخذوا الشياطين أولياء من دون اللّه ، ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما يخالف ما شرعه اللّه تعالى ، ومع ذلك يظنون أنفسهم على هدى . وبين في موضع آخر : أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملا ، والعياذ باللّه تعالى ، وهو قوله جل وعلا : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 ) [ الكهف : 103 - 104 ] . * * * تنبيه هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى ، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسا ولا شبهة ، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجا في الباطل ، وعنادا ، فلذلك كان غير معذور . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ 32 ] .