الشنقيطي
222
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) [ النحل : 23 ] ، ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به ولا يستعيذ إلا مما هو شر . كما هو قوله : وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) [ غافر : 27 ] إلى غير ذلك من نتائجه السيئة ، وعواقبه الوخيمة ، ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية : أن المتواضع للّه جل وعلا يرفعه اللّه . وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] ، وقوله : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) [ القصص : 83 ] وقد صح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد » « 1 » ، وقد قال الشاعر : تواضع تكن كالبدر تبصر وجهه * على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه * إلى صفحات الجو وهو وضيع وقال أبو الطيب المتنبي : ولو لم يعل إلا ذو محل * تعالى الجيش وانحط القتام قوله تعالى : قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) [ 14 - 15 ] . لم يبين هنا في سورة الأعراف الغاية التي أنظره إليها ، وقد ذكرها في « الحجر » و « ص » مبينا أن غاية ذلك الإنظار هو يوم الوقت المعلوم . لقوله : في سورة « الحجر » و « ص » فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) [ الحجر : 37 - 38 ] فقد طلب الشيطان الإنظار إلى يوم البعث ، وقد أعطاه اللّه الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم . وأكثر العلماء يقولون : المراد به وقت النفخة الأولى ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) [ 17 ] . هذا الذي ذكر إبليس أنه سيوقع بني آدم فيه قاله ظنا منه أنهم سيطيعونه فيما يدعوهم إليه حتى يهلكهم ، وقد بين تعالى في سورة « سبأ » أن ظنه هذا صدق فيهم بقوله وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [ سبأ : 20 ] الآية . كما تقدمت الإشارة إليه . قوله تعالى : قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 ) [ 18 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن عياض بن حمار المجاشعي : مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث 64 ، وأبو داود في الأدب حديث 4895 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4179 .