الشنقيطي

219

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فخصه بذلك أيضا . فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والمؤودة مثلا ليس عن دنب فعلوه فلا مانع من وقوعه . لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب ، ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [ الأحزاب : 8 ] الآية ، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] الآية . قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] الآية ، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات : المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام . لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء ، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع . لأنه نوع من أنواع العذاب ، ويدل لهذا أن سؤال اللّه للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) [ الصافات : 24 - 25 ] . وقوله : أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) [ الطور : 15 ] . إلى غير ذلك من الآيات وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا المذكور - والعلم عند اللّه تعالى - . قوله تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) [ 7 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقص على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا ، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبا عما فعلوه أيام فعلهم له في دار الدنيا ، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق ، المحيط علمه بكل ما فعلوه من صغير وكبير ، وجليل وحقير ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 7 ) [ المجادلة : 12 ] ، وقوله : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقوله : مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) [ يونس : 61 ] . تنبيه في هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة النافين صفات المعاني ، القائلين : إنه تعالى عالم بذاته ، لا بصفة قامت بذاته ، هي العلم ، وهكذا في قولهم : قادر مريد ، حي سميع ، بصير متكلم ، فإنه هنا أثبت لنفسه صفة العلم بقوله فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ونظيره قوله تعالى : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [ النساء : 166 ] الآية . وهي أدلة قرانية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك عاقل في بطلانه وتناقضه . قوله تعالى : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [ 8 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق أي لا جور فيه ، ولا