الشنقيطي
181
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يجف أن الرطب والعنب اللذين لا ييبسان يجب الإخراج من ثمنهما لا من نفس الرطب والعنب ، وفي المواق في شرح قول خليل ، وإن لم يجف ما نصه . قال مالك : إن كان رطب هذا النخل لا يكون تمرا ، ولا هذا العنب زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا ، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه انتهى محل الفرض منه بلفظه ، وهو نص صريح عن مالك أنه لا يرى إخراج الرطب ، والعنب في الزكاة لعدوله عنهما إلى الثمن في حال تعذر التمر والزبيب اليابسين ، فكيف بالحالة التي لم يتعذرا فيها . والحاصل أن إخراج الرطب والعنب عما يبس من رطب وعنب ، لم يقل به أحد من العلماء ، ولا دل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قياس وأما الذي لا ييبس كبلح مصر وعنبها ففيه قول مرجوح عند المالكية بإجزاء الرطب والعنب ، ونقل هذا القول عن ابن رشد ، وسترى إن شاء اللّه في آخر هذا المبحث كلام الشافعية والحنابلة فيه ، فإن قيل : فما الدليل على أنه لا يجزئ إلا التمر والزبيب اليابسان دون الرطب والعنب ؟ فالجواب : أن ذلك دلت عليه عدة أدلة الأول : هو ما قدمنا من حديث عتاب بن أسيد رضي اللّه عنه قال : « أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النّخل فتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النّخل تمرا » وقد قدمنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني ، وقد قدمنا أنه من مراسيل سعيد بن المسيب ، وقدمنا أيضا أن الاحتجاج بمثل هذا المرسل من مراسيل سعيد صحيح عند الأئمة الأربعة ، فإذا علمت صحة الاحتجاج بحديث سعيد بن المسيب هذا فاعلم أنه نص صريح في أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بخرص العنب والنخل ، وأن تؤخذ زكاة العنب زبيبا ، وصدقة النخيل تمرا ، فمن ادعى جواز أخذ زكاة النخل رطبا أو بسرا ، فدعواه مخالفة لما أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه أمر بأخذها في حال كونها تمرا في النخل وزبيبا في العنب ، ومعلوم أن الحال وصف لصاحبها قيد لعاملها ؛ فكون زكاة النخل تمرا وصف لها أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بإخراجها في حال كونها متصفة به ؛ وكذلك كونها تمرا قيد لأخذها ، فهو تقييد من النبي صلى اللّه عليه وسلم لأخذها بأن يكون في حال كونها تمرا ، فيفهم منه أنها لا تؤخذ على غير تلك الحال ككونها رطبا مثلا وإذا اتضح لك أن أخذها رطبا - مثلا - مخالف لما أمر به صلى اللّه عليه وسلم ، فاعلم أنه قال في الحديث المتفق عليه « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه ، فهو رد » ، وفي رواية في الصحيح « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » وفي الكتاب العزيز فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [ النور : 63 ] الآية . ومما يوضح لك أن إخراج الرطب مثلا في الزكاة مخالف لما سنه وشرعه صلى اللّه عليه وسلم من أخذها تمرا ، وزبيبا يابسين ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى في باب « كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب » فإنه قال فيه وأخبرنا أبو الحسن بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني . أنبأ بشر ابن أحمد . أنبأ أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء . ثنا علي بن عبد اللّه - ثنا يزيد بن زريع ،