الشنقيطي

171

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الفواكه ولا الخضراوات ، لأن النص والإجماع دلا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير ، والتمر والزبيب . وكل واحد منها مقتات مدخر فألحقوا بها كل ما كان في معناها لكونه مقتاتا ومدخرا غير التمر مقتاتا ومدخرا ؛ ولم يريا أن في الأشجار مقتاتا ولا مدخرا غير التمر والزبيب ، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار ، ولذا قال جماعة من أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك لأنه كالزبيب في الاقتيات والادخار . وقال ابن عبد البر : الظاهر أن مالكا ما كان يعلم أن التين كذلك وأما الحبوب فيوجد فيها الاقتيات والإدخار فألحقا بالحنطة والشعير كل ما كان مقتاتا مدخرا كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ذلك . - فهو إلحاق منهما - رحمهما اللّه - للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة التي هي عندهما الاقتيات والادخار . لأن كونه مقتاتا مدخرا مناسب لوجوب الصدقة فيه . لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون . وأما أحمد - رحمه اللّه - فحجته في قوله إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال : أن ما لا ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا زمن الخلفاء الراشدين . ودليله في اشتراطه الكيل قوله صلى اللّه عليه وسلم « ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة » قال : فبين النبي صلى اللّه عليه وسلم أن محل الواجب في الوسق ، وهو خاص بالمكيل كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . أما دليل الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم اللّه على أن الفواكة والخضراوات لا زكاة فيها فظاهر ، لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جدا والفواكه كانت كثيرة بالطائف ، ولم ينقل عنه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ الزكاة من شيء من ذلك . قال القرطبي : في تفسير هذه الآية . وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج ، فما اعترضه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا ذكره ، ولا أحد من خلفائه ، قلت : وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة ، وأن الخضراوات ليس فيها شيء ، وأما الآية فقد اختلف فيها : هل هي محكمة أو منسوخة ، أو محمولة على الندب ؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها ، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة . أفيجوز أن يتوهم متوهم ، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي ، ولا خلافة أبي بكر حتى عمل بذلك الكوفيون ؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا ، أو قال به . قلت : ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى : * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو بيانه - حاشاه من ذلك - وقال