الشنقيطي

156

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [ 96 ] . أي مظلما ساجيا ليسكن فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكد بالنهار كما بينه قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] ، وقوله قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 71 - 73 ] الآية ، وقوله لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني الليل ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني بالنهار وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ [ فصلت : 37 ] الآية . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ 97 ] الآية . ظاهر هذه الآية الكريمة أنّ حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط كقوله وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) [ النحل : 16 ] ، ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير الاهتداء بها وهما تزيين السماء الدنيا ، ورجم الشياطين بها ، كقوله وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] الآية . وقوله إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ( 7 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ( 9 ) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) [ الصافات : 6 - 10 ] ، وقوله وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) [ فصلت : 12 ] . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ [ 98 ] الآية . ولم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة ، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفية أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم زوجها حواء ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا [ النساء : 1 ] وقوله : * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [ الأعراف : 189 ] الآية . قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ 103 ] الآية . أشار في مواضع أخر : إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية كقوله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] ، وقوله * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] والحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه اللّه الكريم ، وقوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) [ المطففين : 15 ] يفهم منه أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عنه وهو كذلك .