الشنقيطي

144

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

صرح في هذه الآية الكريمة بأنه صلى اللّه عليه وسلم منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنا من كان ، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه ، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار ، وهو كذلك . أما عموم إنذاره لكل من بلغه ، فقد دلت عليه آيات أخر أيضا كقوله قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ، وقوله وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] ، وقوله تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان : 1 ] . وأما دخول من لم يؤمن به النار ، فقد صرح به تعالى في قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] . وأما من لم تبلغه دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) [ 28 ] . هذه الآية الكريمة تدل على أن اللّه جل وعلا الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم ، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون ؛ لأنه يعلم أن رد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون ، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون ، كما صرح به بقوله وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) ، وهذا المعنى جاء مصرحا به في آيات أخر . فمن ذلك أنه تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، لا يخرجون إليها معه صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه ثبطهم عنها لحكمة . كما صرح به في قوله وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) [ التوبة : 46 ] الآية . وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون . كما صرح به تعالى في قومه لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [ التوبة : 47 ] الآية . ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى * وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) [ المؤمنون : 75 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [ 33 ] الآية . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة ، بأنه يعلم أن رسوله صلى اللّه عليه وسلم يحزنه ما يقوله الكفار من تكذيبه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد نهاه تعالى عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر كقوله : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) [ آل عمران : 8 ] الآية ، وقوله : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) [ المائدة : 68 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا