الشنقيطي
139
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
البكري لا يكافئونه ، ولا يعادلونه في الشرف . ومن الثاني قوله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ [ المائدة : 95 ] ، لأن المراد نظير الإطعام من الصيام ، وليس من جنسه ، وقوله : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ [ الأنعام : 70 ] ، وقوله : وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 123 ] والعدل : الفداء ، لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدي تؤخذ بدله قوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ الآية في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير وكل واحد منها له مصداق في كتاب اللّه تعالى : الأول : أن المعنى ، وهو اللّه في السماوات وفي الأرض ، أي وهو الإله المعبود في السماوات وفي الأرض ، لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء ، وعلى هذا فجملة « يعلم » حال ، أو خبر وهذا المعنى يبينه ، ويشهد له قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] أي ، وهو المعبود في السماء والأرض بحق ، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره ، لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي ، ومعبوداتهم ليست شركاء للّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [ النجم : 23 ] وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 66 ) [ يونس : 66 ] . وهذا القول في الآية أظهر الأقوال ، واختاره القرطبي . الوجه الثاني : أن قوله فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يتعلق بقوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ أي وهو اللّه يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 6 ] الآية . قال النحاس : وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية نقله عنه القرطبي . الوجه الثالث : وهو اختيار ابن جرير ، أن الوقف تام على قوله في السَّماواتِ وقوله وَالْأَرْضِ يتعلق بما بعده ، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض ، ومعنى هذا القول : إنه - جل وعلا - مستو على عرشه فوق جميع خلقه ، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك . ويبين هذا القول ، ويشهد له قوله تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [ الملك : 16 - 17 ] ؟ الآية ، وقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] ، مع قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، وقوله : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) [ الأعراف : 7 ] وسيأتي إن شاء اللّه تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة الأعراف . واعلم أن ما يزعمه الجهمية « من أن اللّه تعالى في كل مكان » مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض ضلال مبين ، وجهل باللّه تعالى ، لأن جميع