الشنقيطي

133

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المسألة الثانية : يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به ، أن ما يأمر به معروف ، وأن ما ينهى عنه منكر ، لأنه إن كان جاهلا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف ، وينهي عما ليس بمنكر ، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا ، والمنكر معروفا واللّه تعالى يقول قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] الآية ، فدل على أن الداعي إلى اللّه لا بد أن يكون على بصيرة ، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه ، وينبغي أن تكون دعوته إلى اللّه بالحكمة ، وحسن الأسلوب ، واللطافة مع إيضاح الحق ؛ لقوله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] الآية ، فإن كانت دعوته إلى اللّه بقسوة وعنف وخرق ، فإنها تضر أكثر مما تنفع ، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادا مطلقا ، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس ، لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل ، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس ، لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة ، وأغراضهم الباطلة ، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده ، فيما قص اللّه عنه : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [ لقمان : 17 ] الآية ، ولما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لورقة بن نوفل « أو مخرجيّ هم ؟ » يعني قريشا أخبره ورقة « أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي » ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : « ما ترك الحق لعمر صديقا » ، واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر ، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب اللّه تعالى ، أو سنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، أو إجماع المسلمين . وأما إن كان من مسائل الاجتهاد ، فيما لا نص فيه فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرا ، فالمصيب منهم مأجور بإصابته ، والمخطىء منهم معذور كما هو معروف في محله . واعلم أن الدعوة إلى اللّه بطريقين : طريق لين ، وطريق قسوة ؛ أما طريق اللين فهي الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه ؛ فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت ، وهو المطلوب وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد اللّه وحده وتقام حدوده ، وتمتثل أوامره ، وتجتنب نواهيه ، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ الحديد : 25 ] الآية . ففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة ، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب ، واللّه تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . * * * المسألة الثالثة : يشترط في جواز الأمر بالمعروف ، ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر ،