الشنقيطي
108
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يدخل في المراد به ، أو يلحق به إلحاقا صحيحا لأمراء فيه ، وما ذكره الإمام أبو حنيفة - رحمه اللّه - من أن الكلب العقور يلحق به الذئب فقط ، لأنه أشبه به من غيره لا يظهر ، لأنه لا شك في أن فتك الأسد والنمر مثلا أشد من عقر الكلب والذئب ، وليس من الواضح أن يباح قتل ضعيف الضرر ، ويمنع قتل قويه ، لأن فيه علة الحكم وزيادة ، وهذا النوع من الإلحاق من دلالة اللفظ عند أكثر أهل الأصول ، لا من القياس ، خلافا للشافعي وقوم ، كما قدمنا في سورة النساء . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه : قلت : العجب من أبي حنيفة - رحمه اللّه - يحمل التراب على البر بعلة الكيل ، ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق ، والعقر ، كما فعل مالك ، والشافعي ، رحمهما اللّه . واعلم أن الصيد عند الشافعي هو مأكول اللحم فقط . فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه ، والصغار منه والكبار عنده سواء ، إلا المتولد من بين مأكول اللحم ، وغير مأكوله ، فلا يجوز اصطياده عنده ، وإن كان يحرم أكله ، كالسمع وهو المتولد من بين الذئب ، والضبع ، وقال : ليس في الرخمة والخنافس ، والقردان والحلم ، وما لا يؤكل لحمه شيء . لأن هذا ليس من الصيد ، لقوله تعالى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ [ المائدة : 96 ] ، فدل أن الصيد الذي حرم عليهم ، هو ما كان حلالا لهم قبل الإحرام ، وهذا هو مذهب الإمام أحمد . أما مالك - رحمه اللّه - فذهب إلى أن كل ما يعدو من السباع ، كالهر والثعلب ، والضبع ، وما أشبهها ، لا يجوز قتله . فإن قتله فداه ، قال : وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم ، فإن قتلها فداها ، وهي مثل فراخ الغربان . قال مقيده عفا اللّه عنه : أما الضبع فليست مثل ما ذكر معها لورود النص فيها ، دون غيرها ؛ بأنها صيد يلزم فيه الجزاء ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . ولم يجز مالك للمحرم قتل الزنبور ، وكذلك النمل والذباب والبراغيث ، وقال : إن قتلها محرم يطعم شيئا ، وثبت عن عمر رضي اللّه عنه إباحة قتل الزنبور ، وبعض العلماء شبههه بالعقرب ، وبعضهم يقول : إذا ابتدأ بالأذى جاز قتله ، وإلا فلا ، وأقيسها ما ثبت عن عمر بن الخطاب ؛ لأنه مما طبيعته أن يؤذي . وقد قدمنا عن الشافعي ، وأحمد ، وغيرهم ، أنه لا شيء في غير الصيد المأكول ، وهو ظاهر القرآن العظيم . * * * المسألة الرابعة : [ صيد المحرم إذا صاد الصيد المحرم عليه ] أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصيد المحرم عليه ، فعليه