الشنقيطي

104

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد اعتضد هذا الحديث ، فقال به من الصحابة رضي اللّه عنهم ، من سنذكره في فرع مذاهب العلماء ا ه كلام النووي ، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات ، على مذاهب الأئمة الأربعة ؛ لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل ، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله . قال مقيده عفا اللّه عنه : نعم يشترط في قبول رواية [ المدلس ] التصريح بالسماع والمطلب المذكور مدلس ، لكن مشهور مذهب مالك ، وأبي حنيفة وأحمد - رحمهم اللّه تعالى - صحة الاحتجاج بالمرسل ، ولا سيما إذا اعتضد بغيره كما هنا ، وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعية . واحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة الحديث لمن فوقها ، إلا وهو جازم بالعدالة والثقة فيمن حذفه ، حتى قال بعض المالكية : إن المرسل مقدم على المسند ؛ لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف بخلاف المسند ، فإنه يحيل الناظر عليه ، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة ، وإلى هذا أشار في [ مراقي السعود ] بقوله في مبحث المرسل : وهو حجة ولكن رجحا * عليه مسند وعكس صححا ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى ، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي ، عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، كما نقله ابن حجر في التلخيص وغيره وهو يقويه . وإن كان عثمان المذكور ضعيفا لأن الضعيف يقوّي المرسل ، كما عرف في علوم الحديث ، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح ، وأنه نص في محل النزاع ، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولا ، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله ، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله ، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين خلافا لمن قال : لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي صيد من أجله . ويروى هذا عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وهو ظاهر قوله صلى اللّه عليه وسلم « أو يصد لكم » ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة ، « هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار لها ؟ قالوا : لا ، قال : فكلوه » فمفهومه أن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم كلهم ، ويدل له أيضا ما رواه أبو داود عن علي « أنه دعي وهو محرم إلى طعام عليه صيد فقال « أطعموه