أبي حيان الأندلسي
9
البحر المحيط في التفسير
هذه السورة مكية . ولما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين ، وأنزلهم منازل العذاب ، تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ووصفه بعظيم آلائه ، كما في قوله : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » . وقرأ الضحاك والزهري : فطر ، جعله فعلا ماضيا ونصب ما بعده . قال أبو الفضل الرازي : فأما على إضمار الذي فيكون نعتا للّه عزّ وجل ، وأما بتقدير قد فيما قبله فيكون بمعنى الحال . انتهى . وحذف الموصول الاسمي لا يجوز عند البصريين ، وأما الحال فيكون حالا محكية ، والأحسن عندي أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي هو فطر ، وتقدم شرح فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وأن المعنى خالقها بعد أن لم تكن ، والسماوات والأرض عبارة عن العالم . وقال أبو عبد اللّه الرازي : الحمد يكون في غالب الأمر على النعمة ، ونعم اللّه عاجلة ، و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 2 » ، إشارة إلى أن النعمة العاجلة ودليله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا « 3 » ، و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ « 4 » ، إشارة إليها أيضا ، وهي الاتقاء ، فإن الاتقاء والصلاح بالشرع والكتاب . والحمد في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر ، ودليله : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها * « 5 » منها ، وقوله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ « 6 » ، وهنا إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ، دليله : وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ « 7 » . ففاطر السماوات والأرض شاقهما لنزول الأرواح من السماء ، وخروج الأجساد من الأرض دليله : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ : أي في ذلك اليوم . فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن كما فعل بأشياعهم من قبل بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب . ولما ذكر حالهم ذكر حال المؤمن وبشره بإرسال الملائكة إليهم مبشرين ، وأنه يفتح لهم أبواب الرحمة . وقرأ الحسن : جاعل بالرفع ، أي هو جاعل ؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو : وجاعل رفعا بغير تنوين ، الملائكة نصبا ، حذف التنوين لالتقاء الساكنين . وقرأ ابن يعمر ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 45 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 1 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 2 . ( 4 ) سورة الكهف : 18 / 1 . ( 5 ) سورة سبأ : 34 / 2 ، وسورة الحديد : 57 / 4 . ( 6 ) سورة سبأ : 34 / 3 . ( 7 ) سورة الأنبياء : 21 / 103 .