أبي حيان الأندلسي

26

البحر المحيط في التفسير

رؤبة : الحرور بالليل ، والسموم بالنهار ، وليس كما قال ، وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره : أن السموم يختص بالنهار . ويقال : الحرور في حر الليل ، وفي حر النهار . انتهى . ولا يرد على رؤبة ، لأنه منه تؤخذ اللغة ، فأخبر عن لغة قومه . وقال قوم : الظل هنا : الجنة ، والحرور : جهنم ، ويستوي من الأفعال التي لا تكتفي بفاعل واحد . فدخول لا في النفي لتأكيد معناه لقوله : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ « 1 » . وقال ابن عطية : دخول لا إنما هو على هيئة التكرار ، كأنه قال : ولا الظلمات والنور ولا النور والظلمات ، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ، ودل مذكور الكلام على متروكه . انتهى . وما ذكر غير محتاج إلى تقديره ، لأنه إذا نفى استواء الظلمات والنور ، فأي فائدة في تقدير نفي استوائهما ثانيا وادعاء محذوفين ؟ وأنت تقول : ما قام زيد ولا عمرو ، فتؤكد بلا معنى النفي ، فكذلك هذا . وقرأ زادان عن الكسائي : وما تستوي الأحياء ، بتاء التأنيث ؛ والجمهور : بالياء ، وترتيب هذه المنفي عنها الاستواء في غاية الفصاحة . وذكر الأعمى والبصير مثلا للمؤمن والكافر ، ثم البصير . ولو كان حديد النظر لا يبصر إلا في ضوء ، فذكر ما هو فيه الكافر من ظلمة الكفر ، وما هو فيه المؤمن من نور الإيمان . ثم ذكر مآلهما ، وهو الظل ، وهو أن المؤمن بإيمانه في ظل وراحة ، والكافر بكفره في حر وتعب . ثم ذكر مثلا آخر في حق المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير ، إذ الأعمى قد يشارك البصير في إدراك ما ، والكافر غير مدرك إدراكا نافعا ، فهو كالميت ، ولذلك أعاد الفعل فقال : وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ، كأنه جعل مقام سؤال ، وكرر لا فيما ذكر لتأكيد المنافاة . فالظلمات تنافي النور وتضاده ، والظل والحرور كذلك ، والأعمى والبصير ليس كذلك ، لأن الشخص الواحد قد يكون بصيرا . ثم يعرض له العمى ، فلا منافاة إلا من حيث الوصف . والمنافاة بين الظل والحرور دائمة ، لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد ؛ فلما كانت المنافاة أتم ، أكد بالتكرار . وأما الأحياء والأموات من حيث أن الجسم الواحد يكون محلا للحياة ، فيصير محلا للموت . فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ، لأن هذين قد يشتركان في إدراك ما ، ولا كذلك الحي . والميت يخالف الحي في الحقيقة ، لا في الوصف ، على ما بين في الحكمة الإلهية . وقدّم الأشرف في مثلين ، وهو الظل والحر ؛ وآخر في مثلين ، وهما البصير والنور ، ولا يقال لأجل السجع ، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ ، بل فيه . وفي المعنى : والشاعر قد يقدّم ويؤخر لأجل

--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 34 .