أبي حيان الأندلسي

15

البحر المحيط في التفسير

الظُّلُماتِ « 1 » ، وقاله الكسائي ، أي تقديره : تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ . وقيل : التقدير : فرآه حسنا ، فأضله اللّه كمن هداه اللّه ، فحذف ذلك لدلالة : فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ، وذكر هذين الوجهين الزجاج . وشرح الزمخشري هنا يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ على طريقته في غير موضع من كتابه ، من أن الإضلال هو خذلانه وتخليته وشأنه ، وأتى بألفاظ كثيرة في هذا المعنى . وقرأ الجمهور : أَ فَمَنْ زُيِّنَ مبينا للمفعول سوء رفع . وقرأ عبيد بن عمير : زين له سوء ، مبنيا للفاعل ، ونصب سوء ؛ وعنه أيضا أسوأ على وزن أفعل منصوبا ؛ وأسوأ عمله : هو الشرك . وقراءة طلحة : أمن بغير فاء ، قال صاحب اللوامح : للاستخبار بمعنى العامة للتقرير ، ويجوز أن يكون بمعنى حرف النداء ، فحذف التمام كما حذف من المشهور الجواب . انتهى . ويعني بالجواب : خبر المبتدأ ، وبالتمام : ما يؤدي لأجله ، أي تفكر وارجع إلى اللّه ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ تسلية للرسول عن كفر قومه ، ووجوب التسليم للّه في إضلاله من يشاء وهداية من يشاء . وقرأ الجمهور : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ ، مبنيا للفاعل من ذهب ، ونفسك فاعل . وقرأ أبو جعفر ، وقتادة ، وعيسى ، والأشهب ، وشيبة ، وأبو حيوة ، وحميد والأعمش ، وابن محيصن : تذهب من أذهب ، مسند الضمير المخاطب ، نفسك : نصب ، ورويت عن نافع : والحسرة هم النفس على فوات أمر . وانتصب حَسَراتٍ على أنه مفعول من أجله ، أي فلا تهلك نفسك للحسرات ، وعليهم متعلق بتذهب ، كما تقول : هلك عليه حبا ، ومات عليه حزنا ، أو هو بيان للمتحسر عليه ، ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر ، فلا يتقدّم معموله . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون حالا ، كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر ، كما قال جرير : مشق الهواجر لحمهن مع السرى * حتى ذهبن كلاكلا وصدروا يريد : رجعن كلاكلا وصدورا ، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها ، ومنه قوله : فعلى إثرهم تساقط نفسي * حسرات وذكرهم لي سقام انتهى . وما ذكر من أن كلاكلا وصدورا حالان هو مذهب سيبويه . وقال المبرد : هو تمييز منقول من الفاعل ، أي حتى ذهبت كلاكلها وصدورها . ثم توعدهم بالعقاب على سوء صنعهم فقال : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ : أي فيجازيهم عليه .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 122 .