أبي حيان الأندلسي

20

البحر المحيط في التفسير

العلم ، وهو ما تعلقت به علومهم من مكاسب الدنيا ، كالفلاحة والصنائع ، لقوله تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 1 » . ولما ذكر ما هم عليه ، أخبر تعالى بأنه عالم بالضال والمهتدي ، وهو مجازيهما . وقال الزمخشري : وقوله : ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ : اعتراض . انتهى ، وكأنه يقول : هو اعتراض بين فَأَعْرِضْ وبين إِنَّ رَبَّكَ ، ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض . وقيل : ذلك إشارة إلى جعلهم الملائكة بنات اللّه . وقال الفراء : صغر رأيهم وسفه أحلامهم ، أي غاية عقولهم ونهاية علومهم أن آثروا الدنيا على الآخرة . وقيل : ذلك إشارة إلى الظن ، أي غاية ما يفعلون أن يأخذوا بالظن . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ في معرض التسلية ، إذ كان من خلقه عليه الصلاة والسلام الحرص على إيمانهم ، وفي ذلك وعيد للكفار ، ووعد للمؤمنين . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ : أخبر أن من في العالم العلوي والعالم السفلي ملكه تعالى ، يتصرف فيهما بما شاء . واللام في لِيَجْزِيَ متعلقة بما دل عليه معنى الملك ، أي يضل ويهدي ليجزي . وقيل : بقوله : بِمَنْ ضَلَّ ، و بِمَنِ اهْتَدى ، واللام للصيرورة ، والمعنى : إن عاقبة أمرهم جميعا للجزاء بما عملوا ، أي بعقاب ما عملوا ، والحسنى : الجنة . وقيل : التقدير بالأعمال الحسنى ، وحين ذكر جزاء المسئ قال : بما عملوا ، وحين ذكر جزاء المحسن أتى بالصفة التي تقتضي التفضل ، وتدل على الكرم والزيادة للمحسن ، كقوله تعالى : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » ، والأحسن تأنيث الحسنى . وقرأ زيد بن علي : لنجزي ونجزي بالنون فيهما . وتقدّم الكلام في الكبائر في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ « 3 » في سورة النساء . والذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر ، والفواحش معطوف على كبائر ، وهي ما فحش من الكبائر ، أفردها بالذكر لتدل على عظم مرتكبها . وقال الزمخشري : والكبائر : الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال . إِلَّا اللَّمَمَ : استثناء منقطع ، لأنه لم يدخل تحت ما قبله ، وهو صغار الذنوب ، أو صفة إلى كبائر الإثم غير اللمم ، كقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ، أي غير اللّه لَفَسَدَتا « 4 » . وقيل : يصح أن يكون استثناء متصلا ، وهذا يظهر عند تفسير اللمم ما هو ، وقد اختلفوا فيه اختلافا ، فقال الخدري : هو النظرة والغمزة والقبلة . وقال السدي : الخطرة من الذنب . وقال أبو هريرة

--> ( 1 ) سورة الروم : 30 / 7 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 29 / 7 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 31 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 21 / 22 .