أبي حيان الأندلسي

16

البحر المحيط في التفسير

في الكعبة ، لأن المخاطب بذلك في قوله : أَ فَرَأَيْتُمُ هم قريش . وقرأ الجمهور : ومناة مقصورا ، فقيل : وزنها فعلة ، سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها : أي تراق . وقرأ ابن كثير : ومناءة ، بالمد والهمز . قيل : ووزنها مفعلة ، فالألف منقلبة عن واو ، نحو : مقالة ، والهمزة أصل مشتقة من النوء ، كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها ، والقصر أشهر . قال جرير : أزيد مناة توعد بأس تيم * تأمل أين تاه بك الوعيد وقال آخر في المد والهمز : ألا هل أتى تيم بن عبد مناءة * على النأي فيما بيننا ابن تميم واللات والعزى ومناة منصوبة بقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ ، وهي بمعنى أخبرني ، والمفعول الثاني الذي لها هو قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى على حد ما تقرر في متعلق أرأيت إذا كانت بمعنى أخبرني ، ولم يعد ضمير من جملة الاستفهام على اللات والعزى ومناة ، لأن قوله : وَلَهُ الْأُنْثى هو في معنى : وله هذه الإناث ، فأغنى عن الضمير . وكانوا يقولون في هذه الأصنام : هي بنات اللّه ، فالمعنى : ألكم النوع المحبوب المستحسن الموجود فيكم ، وله النوع المذموم بزعمكم ؟ وهو المستثقل . وحسن إبراز الأنثى كونه نصا في اعتقادهم أنهن إناث ، وأنهن بنات اللّه تعالى ، وإن كان في لحاق تاء التأنيث في اللات وفي مناة ، وألف التأنيث في العزى ، ما يشعر بالتأنيث ، لكنه قد سمى المذكر بالمؤنث ، فكان في قوله : الْأُنْثى نص على اعتقاد التأنيث فيها . وحسن ذلك أيضا كونه جاء فاصلة ، إذ لو أتى ضميرا ، فكان التركيب ألكم الذكر وله هن ، لم تقع فاصلة . وقال الزجاج : وجه تلفيق هذه الآية مع ما قبلها ، فيقول : أخبروني عن آلهتكم ، هل لها شيء من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة في الآي السالفة ؟ انتهى . فجعل المفعول الثاني لأفرأيتم جملة الاستفهام التي قدرها ، وحذفت لدلالة الكلام السابق عليها ، وعلى تقديره يبقى قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى متعلقا بما قبله من جهة المعنى ، لا من جهة الإعراب ، كما قلناه نحن . ولا يعجبني قول الزجاج : وجه تلفيق هذه الآية مع ما قبلها ، ولو قال : وجه اتصال هذه ، أو وجه انتظام هذه مع ما قبلها ، لكان الجيد في الأدب ، وإن كان يعني هذا المعنى . وقال ابن عطية : أَ فَرَأَيْتُمُ خطاب لقريش ، وهي من رؤية العين ، لأنه أحال على