أبي حيان الأندلسي
9
البحر المحيط في التفسير
الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ، أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى . هذه السورة مكية . ومناسبتها لآخر ما قبلها ظاهرة ، لأنه قال : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ « 1 » : أي اختلق القرآن ، ونسبوه إلى الشعر وقالوا : هو كاهن ومجنون ؛ فأقسم تعالى أنه صلى اللّه عليه وسلم ما ضل ، وأن ما يأتي به هو وحي من اللّه ، وهي أول سورة أعلن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بها في الحرم ، والمشركون يستمعون ، فيها سجد ، وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب ، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقال : يكفي هذا . وسبب نزولها قول المشركين : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يختلق القرآن . وأقسم تعالى بالنجم ، فقال ابن عباس ومجاهد والفراء والقاضي منذر بن سعيد : هو الجملة من القرآن إذا نزلت ، وقد نزل منجما في عشرين سنة . وقال الحسن ومعمر بن المثنى : هو هنا اسم جنس ، والمراد النجوم إذا هوت : أي غربت ، قال الشاعر : فباتت تعد النجم في مستجره * سريع بأيدي الآكلين جمودها أي : تعد النجوم . وقال الحسن وأبو حمزة الثمالي : النجوم إذا انتثرت في القيامة . وقال ابن عباس أيضا : هو انقض في أثر الشياطين ، وهذا تساعده اللغة . وقال الأخفش : والنجم إذا طلع ، وهويه : سقوطه على الأرض . وقال ابن جبير الصادق : هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهويه : نزوله ليلة المعراج . وقيل : النجم معين . فقال مجاهد وسفيان : هو الثريا ، وهويها : سقوطها مع الفجر ، وهو علم عليها بالغلبة ، ولا تقول العرب النجم مطلقا إلا للثريا ، ومنه قول العرب : طلع النجم عشاء * فابتغى الراعي كساء طلع النجم غديه * فابتغى الراعي كسيه وقيل : الشعرى ، وإليها الإشارة بقوله : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ، والكهان والمنجمون يتكلمون على المغيبات عند طلوعها . وقيل : الزهرة ، وكانت تعبد . وقيل : وَالنَّجْمِ : هم الصحابة . وقيل : العلماء مفرد أريد به الجمع ، وهو في اللغة خرق الهوى ومقصده السفل ، إذ مصيره إليه ، وإن لم يقصد إليه . وقال الشاعر : هوى الدلو أسلمها الرشا ومنه : هوى العقاب . صاحِبُكُمْ : هو محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والخطاب لقريش : أي هو مهتد راشد ، وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي . وَما يَنْطِقُ :
--> ( 1 ) سورة الطور : 52 / 33 .