أبي حيان الأندلسي

82

البحر المحيط في التفسير

أشاروا إلى قوم عبيد كانوا للعرب من الفرس أبو فكيهة مولى الحضرميين . وجبر ويسار وعداس وغيرهم . وقال الضحاك : عنوا أبا فكيهة الرومي . وقال المبرد : عنوا بقوم آخرين المؤمنين لأن آخر لا يكون إلّا من جنس الأول انتهى . وما قاله لا يلزم للاشتراك في جنس الإنسان ، ولا يلزم الاشتراك في الوصف . ألا ترى إلى قوله فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ « 1 » فقد اشتركتا في مطلق الفئة ، واختلفتا في الوصف . والظاهر أن الضمير في فَقَدْ جاؤُ عائد على الَّذِينَ كَفَرُوا والمعنى أن هؤلاء الكفار وردوا ظلما كما تقول : جئت المكان فيكون جاء متعديا بنفسه قاله الكسائي ، ويجوز أن يحذف الجار أي بظلم وزور ويصل الفعل بنفسه . وقال الزجاج : إذا جاء يستعمل بهذين الاستعمالين وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب ، والزور إن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه . وقيل : الضمير عائد على قوم آخرين وهو من كلام الكفار ، والضمير في وَقالُوا للكفار وتقدم الكلام على أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها أي جمعها من قولهم كتب الشيء أي جمعه أو من الكتابة أي كتبها بيده ، فيكون ذلك من جملة كذبهم عليه وهم يعلمون أنه لا يكتب ويكون كاستكب الماء واصطبه أي سكبه وصبه . ويكون لفظ افتعل مشعرا بالتكلف والاعتمال أو بمعنى أمر أن يكتب كقولهم احتجم وافتصد إذا أمر بذلك . فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي تلقى عليه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على المتحفظ كصورة الإملاء على الكاتب . و أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خبر مبتدأ محذوف أي هو أو هذه أَساطِيرُ و اكْتَتَبَها خبر ثان ، ويجوز أن يكون أَساطِيرُ مبتدأ و اكْتَتَبَها الخبر . وقرأ الجمهور اكْتَتَبَها مبنيا للفاعل . وقراءة طلحة مبنيا للمفعول والمعنى اكْتَتَبَها كاتب له لأنه كان أمّيا لا يكتب بيده وذلك من تمام إعجازه ، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكْتَتَبَها إياه كاتب كقوله وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ « 2 » ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان بارزا منصوبا وبقي ضمير الأساطير على حاله ، فصار اكْتَتَبَها كما ترى انتهى . وهو من كلام الزمخشري ولا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين لأن اكْتَتَبَها له كاتب وصل فيه اكتتب لمفعولين أحدهما مسرح وهو ضمير الأساطير ، والآخر مقيد وهو ضميره عليه السلام . ثم اتسع في الفعل فحذف حرف الجر فصار اكْتَتَبَها إياه

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 13 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 155 .