أبي حيان الأندلسي
80
البحر المحيط في التفسير
الكتب المنزلة ، وبعبده من نزلت عليهم فيكون اسم جنس كقوله وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 1 » والضمير في لِيَكُونَ . قال ابن زيد : عائد على عَبْدِهِ ويترجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل وهو من وصفه تعالى كقوله إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ « 2 » . والظاهر أن نَذِيراً بمعنى منذر . وجوز أن يكون مصدرا بمعنى لإنذار كالنكير بمعنى الإنكار ، ومنه فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * « 3 » . و لِلْعالَمِينَ عام للإنس والجن ، ممن عاصره أو جاء بعده وهذا معلوم من الحديث المتواتر وظواهر الآيات . وقرأ ابن الزبير لِلْعالَمِينَ للجن والإنس وهو تفسير لِلْعالَمِينَ . ولما سبق في أواخر السورة ألا إن للّه ما في السماوات والأرض فكان إخبارا بأن ما فيهما ملك له ، أخبر هنا أنه له ملكهما أي قهرهما وقهر ما فيهما ، فاجتمع له الملك والملك لهما . ولما فيهما ، والذي مقطوع للمدح رفعا أو نصبا أو نعت أو بد من الَّذِي نَزَّلَ وما بعد نَزَّلَ من تمام الصلة ومتعلق به فلا يعد فاصلا بين النعت أو البدل ومتبوعه . وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الظاهر نفي الاتخاذ أي لم ينزل أحدا منزلة الولد . وقيل : المعنى لم يكن له ولد بمعنى قوله لم يلد لأن التوالد مستحيل عليه . وفي ذلك رد على مشركي قريش وعلى النصارى واليهود الناسبين للّه الولد . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ تأكيد لقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ورد على من جعل للّه شريكا . وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عام في خلق الذوات وأفعالها . قيل : وفي الكلام حذف تقديره وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مما يصح خلقه لتخرج عنه ذاته وصفاته القديمة انتهى . ولا يحتاج إلى هذا المحذوف لأن من قال : أكرمت كل رجل لا يدخل هو في العموم فكذلك لم يدخل في عموم وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ذاته تعالى ولا صفاته القديمة . فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً إن كان الخلق بمعنى التقدير ، فكيف جاء فَقَدَّرَهُ إذ يصير المعنى وقدر كل شيء يقدره تَقْدِيراً . فقال الزمخشري : المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية فقدره وهيأه لما يصلح له ، أو سمي إحداث اللّه خلقا لأنه لا يحدث شيئا لحكمته إلّا على وجه التقدير من غير تفاوت . فإذا قيل : خلق اللّه كذا فهو بمنزلة إحداث اللّه وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده متفاوتا . وقيل : فجعل له
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 34 . ( 2 ) سورة الدخان : 44 / 3 . ( 3 ) سورة القمر : 54 / 16 .