أبي حيان الأندلسي
72
البحر المحيط في التفسير
الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ « 1 » ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات ومعنى أَوْ صَدِيقِكُمْ أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون للواحد والجمع كالخليط والقطين ، وقد أكل جماعة من أصحاب الحسن من بيته وهو غائب فجاء فسر بذلك وقال : هكذا وجدناهم يعني كبراء الصحابة ، وكان الرجل يدخل بيت صديقه فيأخذ من كيسه فيعتق جاريته التي مكنته من ذلك . وعن جعفر الصادق : من عظم حرمة الصديق أن جعله اللّه من الأنس والثقة والانبساط وترك الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ . وقال هشام بن عبد الملك : نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه . وقال أهل العلم : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح . وانتصب جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً على الحال أي مجتمعين أو متفرقين . قال الضحاك وقتادة : نزلت في حي من كنانة تحرجوا أن يأكل الرجل وحده فربما قعدوا لطعام بين يديه لا يجد من يؤاكله حتى يمسي فيضطر إلى الأكل وحده . وقال بعض الشعراء : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي وقال عكرمة في قوم من الأنصار : إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلّا معه . وقيل في قوم : تحرجوا أن يأكلوا جميعا مخافة أن يزيد أحدهم على الآخرة في الأكل . وقيل أَوْ صَدِيقِكُمْ هو إذا دعاك إلى وليمة فحسب . وقيل : هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام « ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام » و بقوله عليه السلام من حديث ابن عمر : « لا يحلبن أحد ماشية أحد إلّا بإذنه » وبقوله تعالى لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا « 2 » الآية . فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ . قال ابن عباس والنخعي : المساجد فسلموا على من فيها فإن لم يكن فيها أحد قال السلام على رسول اللّه . وقيل : يقول السلام عليكم يعني الملائكة ، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين . وقال جابر وابن عباس وعطاء : البيوت المسكونة وقالوا يدخل فيها غير المسكونة ، فيقول : السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين . وقال ابن عمر : بيوتا خالية . وقال السدّي عَلى أَنْفُسِكُمْ على أهل دينكم . وقال قتادة : على أهاليكم في بيوت أنفسكم . وقيل : بيوت الكفار
--> ( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 100 . ( 2 ) سورة النور : 24 / 27 .