أبي حيان الأندلسي
66
البحر المحيط في التفسير
إيمان . قال ابن عطية : يحتمل أن يريد كفر هذه النعم إذا وقعت ويكون الفسق على هذا غير مخرج عن الملة . قيل : ظهر في قتلة عثمان . وقال الزمخشري : وَمَنْ كَفَرَ يريد كفران النعمة كقوله فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ « 1 » فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي هم الكاملون في فسقهم حيث كفروا تلك النعمة العظيمة . والظاهر أن قوله وَأَقِيمُوا التفات من الغيبة إلى الخطاب ويحسنه الخطاب في منكم . وقال الزمخشري : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ معطوف على أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه . فاصل . وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه وكررت طاعة الرسول توكيدا لوجوبها انتهى . وقرأ الجمهور لا تَحْسَبَنَّ بتاء الخطاب والتقدير ، لا تَحْسَبَنَّ أيها المخاطب ولا يندرج فيه الرسول ، وقالوا : هو خطاب للرسول وليس بجيد لأن مثل هذا الحسبان لا يتصوّر وقوعه فيه عليه السلام . وقرأ حمزة وابن عامر لا يحسبن بالياء للغيبة ، والتقدير لا يحسبن حاسب ، والرسول لا يندرج في حاسب وقالوا : يكون ضمير الفاعل للرسول لتقدم ذكره في وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ قاله أبو عليّ والزمخشري وليس بجيد لما ذكرناه في قراءة التاء . وقال النحاس : ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلّا وهو يخطئ قراءة حمزة ، فمنهم من يقول : هي لحن لأنه لم يأت إلّا بمفعول واحد ليحسبن ، وممن قال هذا أبو حاتم انتهى . وقال الفرّاء : هو ضعيف وأجازه على حذف المفعول الثاني وهو قول البصريين تقديره أنفسهم . و مُعْجِزِينَ المفعول الثاني . وقال عليّ بن سليمان : الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع نصب قال : ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ . وقال الكوفيون : مُعْجِزِينَ المفعول الأول . و فِي الْأَرْضِ الثاني قيل : وهو خطأ وذلك لأن ظاهر في الْأَرْضِ تعلقه بمعجزين ، فلا يكون مفعولا ثانيا . وخرج الزمخشري ذلك متبعا قول الكوفيين . فقال مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ هما المفعولان والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحدا يعجز اللّه في الأرض حتى يطمعوا لهم في مثل ذلك ، وهذا معنى قوي جيد انتهى . وقال أيضا : يكون الأصل : لا يحسبنهم الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول ، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشئ الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث انتهى . وقد رددنا هذا التخريج في آل عمران في قوله
--> ( 1 ) سورة النحل : 16 / 112 .