أبي حيان الأندلسي

58

البحر المحيط في التفسير

كأنه قال : وينزل من السماء جبالا فيها أي في السماء بردا وبردا بدل أي برد جبال . وقال الفراء : هما زائدتان أي جبالا فيها برد لا حصى فيها ولا حجر ، أي يجتمع البرد فيصير كالجبال على التهويل فبرد مبتدأ وفيها خبره . والضمير في فِيها عائد على الجبال أو فاعل بالجار والمجرور لأنه قد اعتمد بكونه في موضع الصفة لجبال . وقيل : مِنْ الأولى والثانية لابتداء الغاية ، والثالثة زائدة أي وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ السماء بردا . وقال الزجاج : معناه وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ برد فيها كما تقول : هذا خاتم في يدي من حديد ، أي خاتم حديد في يدي ، وإنما جئت في هذا وفي الآية بمن لما فرقت ، ولأنك إذا قلت : هذا خاتم من حديد كان المعنى واحدا انتهى . فعلى هذا يكون مِنْ بَرَدٍ في موضع الصفة لجبال ، كما كان من في من حديد صفة لخاتم ، فيكون في موضع جر ويكون مفعول يُنَزِّلُ هو مِنْ جِبالٍ وإذا كانت الجبال مِنْ بَرَدٍ لزم أن يكون المنزل بردا . والظاهر إعادة الضمير في بِهِ على البرد ، ويحتمل أن يكون أريد به الودق والبرد وجرى في ذلك مجرى اسم الإشارة . وكأنه قال : فيصيب بذلك والمطر هو أعم وأغلب في الإصابة والصرف أبلغ في المنفعة والامتنان . وقرأ الجمهور سَنا مقصورا بَرْقِهِ مفردا . وقرأ طلحة بن مصرف سناء ممدودا بَرْقِهِ بضم الباء وفتح الراء جمع برقه بضم الباء ، وهي المقدار من البرق كالغرفة واللقمة ، وعنه بضم الباء والراء اتبع حركة الراء لحركة الباء كما اتبعت في ظُلُماتٌ وأصلها السكون . والسناء بالمدّ ارتفاع الشأن كأنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان ، فإن ذلك صيب لا يحس به بصر . وقرأ الجمهور يَذْهَبُ بفتح الياء والهاء وأبو جعفر يَذْهَبُ بضم الياء وكسر الهاء . وذهب الأخفش وأبو حاتم إلى تخطئة أبي جعفر في هذه القراءة قالا : لأن الياء تعاقب الهمزة وليس بصواب لأنه لم يكن ليقرأ إلّا بما روي . وقد أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أبيّ وغيره ، ولم ينفرد بها أبو جعفر بل قرأه شيبة كذلك وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار . وعلى أن الباء بمعنى من والمفعول محذوف تقديره يذهب النور من الأبصار كما قال : شرب النزيف ببرد ماء الحشرج يريد من برد . وتقليب الليل والنهار آيتان أحدهما بعد الآخر أو زيادة هذا وعكسه ، أو يغير النهار بظلمة السحاب مرة وضوء الشمس أخرى ، ويغير الليل باشتداد ظلمته مرة وضوء