أبي حيان الأندلسي

564

البحر المحيط في التفسير

إبليس ، لأهله خيرا ، ولا يعيده : أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة . وقيل : الشيطان : الباطل ، لأنه صاحب الباطل ، لأنه هالك ، كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك . وقيل : الحق : السيف . عن ابن مسعود : دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بعود نبقة ويقول : « جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً « 1 » ، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ » . وقرأ الجمهور : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ، بفتح اللام ، فَإِنَّما أَضِلُّ ، بكسر الضاد . وقرأ الحسن ، وابن وثاب ، وعبد الرحمن المقري : بكسر اللام وفتح الضاد ، وهي لغة تميم ، وكسر عبد الرحمن همزة أضل . وقال الزمخشري : لغتان نحو : ضللت أضل ، وظللت أظل . وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ، وأن تكون مصدرية ، أي فبوحي ربي . والتقابل اللفظي : وإن اهتديت فإنما أهتدي لها ، كما قال : وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها * « 2 » ، مقابل : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ * « 3 » ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها * « 4 » ، مقابل : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ « 5 » ، أو يقال : فإنما أضل بنفسي . وأما في الآية فالتقابل معنوي ، لأن النفس كل ما عليها فهو لها ، أي كل وبال عليها فهو بسببها . إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ « 6 » وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه ، وهذا حكم عام لكل مكلف . وأمر رسوله أن يسنده إلى نفسه ، لأنه إذا دخل تحته مع جلالة محله وسر طريقته كما غيره أولى به . انتهى ، وهو من كلام الزمخشري . إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ، يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله . والظاهر أن قوله : وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا ، أنه وقت البعث وقيام الساعة ، وكثيرا جاء : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ « 7 » ، وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 8 » ، وكل ذلك في يوم القيامة ؛ وعبر بفزعوا ، وأخذوا ، وقالوا ؛ وحيل بلفظ الماضي لتحقق وقوعه بالخبر الصادق . وقال ابن عباس ، والضحاك : هذا في عذاب الدنيا . وقال الحسن : في الكفار عند خروجهم من القبور . وقال مجاهد : يوم القيامة . وقال ابن زيد ، والسدّي : في أهل بدر حين ضربت أعناقهم ، فلم يستطيعوا فرارا من العذاب ، ولا رجوعا إلى التوبة . وقال ابن جبير ، وابن أبي أبزي : في جيش لغزو الكعبة ، فيخسف بهم في بيداء من الأرض ، ولا ينجو إلا رجل من جهينة ، فيخبر الناس بما ناله ، قالوا ، وله قيل :

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 81 . ( 2 و 3 ) سورة فصلت : 41 / 46 ، وسورة الجاثية : 45 / 15 . ( 4 و 5 ) سورة الزمر : 39 / 41 . ( 6 ) سورة يوسف : 12 / 53 . ( 7 ) سورة الأنعام : 6 / 27 . ( 8 ) سورة السجدة : 32 / 12 .