أبي حيان الأندلسي

554

البحر المحيط في التفسير

والجزاء على الأعمال . والظاهر أن الضمير في وَقالُوا عائد على المترفين ؛ وقيل : عائد على قريش ، ويدل عليه ما بعده من الخطاب في قوله : قُلْ ، لأن من تقدم من المترفين الهالكين لا يخاطبون ، فلا يقول إلا الموجودون ، وقوله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ؛ واحتجوا على رضا اللّه عنهم بإحسانه تعالى إليهم ، فلو لم يتكرم عليهم ما بوسع علينا ، وأما أنتم فلهوانكم عليه حرمكم أيها التابعون للرسل . ثم نقول : إن يعذبوا نفيا عاما ، لأن الأنبياء قد ينذرون بعذاب عاجل في الدنيا ، أو آجل في الآخرة ، فنفوا هم جميع ذلك . فإما أن يكونوا منكرين للآخرة ، فقد نفوا تعذيبهم فيها ، لأنها إذا لم تكن ، فلا يكون فيها عذاب . وإما أن يكونوا مقرين بها حقيقة ، أو على سبيل الفرض ، فيقولون : كما أنعم علينا في الدنيا ، ينعم علينا في الآخرة على حالة الدنيا قياسا فاسدا ، فأبطل اللّه ذلك بأن الرزق فضل منه يقسم علينا في الآخرة على حالة الدنيا ، كما شاء . لِمَنْ يَشاءُ ، فقد يوسع على العاصي ويضيق على الطائع ، وقد يوسع عليهما ، والوجود شاهد بذلك ، فلا تقاس التوسعة في الدنيا ، لأن ذلك في الآخرة إنما هو على الأعمال الصالحة . وقرأ الأعمش : ويقدر في الموضعين مشددا ؛ والجمهور : مخففا ، ومعناه : ويضيق مقابل يبسط . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ : مثل هؤلاء الكفرة ، لا يَعْلَمُونَ أن الرزق مصروف بالمشيئة ، وليس دليلا على الرضا ثم أخبر تعالى أن أموالهم وأولادهم التي افتخروا بها ليست بمقربة من اللّه ، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح . وقرأ الجمهور : بِالَّتِي ، وجمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون التي هي التقوى ، وهي المقربة عند اللّه زلفى وحدها ، أي ليست أموالكم تلك الموضوعة للتقريب . انتهى . فجعل التي نعتا لموصوف محذوف وهي التقوى . انتهى ، ولا حاجة إلى تقدير هذا الموصوف . والظاهر أن التي راجع إلى الأموال والأولاد ، وقاله الفراء . وقال أيضا ، هو والزجاج : حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، والتقدير : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى . انتهى . ولا حاجة لتقدير هذا المحذوف ، إذ يصح أن يكون التي لمجموع الأموال والأولاد . وقرأ الحسن : باللاتي جمعا ، وهو أيضا راجع للأموال والأولاد . وقرئ بالذي ، وزلفى مصدر ، كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من المعنى ، أي يقربكم . وقرأ الضحاك : زلفا بفتح اللام وتنوين الفاء ، جمع زلفة ، وهي القربة . إِلَّا مَنْ آمَنَ : الظاهر أنه استثناء منقطع ، وهو منصوب على الاستثناء ، أي لكن