أبي حيان الأندلسي

550

البحر المحيط في التفسير

أي : تسليت عنكم طرا ، أي جميعا . وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به ، ومن ذلك قول الشاعر : مشغوفة بك قد شغفت وإنما * حتم الفراق فما إليك سبيل وقال آخر : غافلا تعرض المنية للمر * ء فيدعى ولات حين إباء أي : شغفت بك مشغوفة ، وتعرض المنية للمرء غافلا . وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل ، فتقديمها عليه دون العامل أجوز ، وعلى أن كافة حال من الناس ، حمله ابن عطية وقال : قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله : أي إلى العرب والعجم وسائر الأمم ، وتقدير إلى الناس كافة . انتهى . وقول الزمخشري : وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ، إلى آخر كلامه ، شنيع . لأن قائل ذلك لا يحتاج إلى أن يتأول اللام بمعنى إلى ، لأن أرسل يتعدى بإلى ويتعدى باللام ، كقوله : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا « 1 » . ولو تأول اللام بمعنى إلى ، لم يكن ذلك خطأ ، لأن اللام قد جاءت بمعنى إلى ، وإلى قد جاءت بمعنى اللام ، وأرسل مما جاء متعديا بهما إلى المجرور . ثم حكى تعالى مقالتهم في الاستهزاء بالبعث ، واستعجالهم على سبيل التكذيب ، ولم يجابوا بتعيين الزمان ، إذ ذاك مما انفرد تعالى بعلمه ، بل أجيبوا بأن ما وعدوا به لا بد من وقوعه ، وهو ميعاد يوم القيامة ، وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة ، ويجوز أن يكون سؤالهم عما وعدوا به من العذاب في الدنيا واستعجلوا به استهزاء منهم . وقال أبو عبيد : الوعد والوعيد والميعاد بمعنى . وقال الجمهور : الوعد في الخير ، والوعيد في الشر ، والميعاد يقع لهذا . والظاهر أن الميعاد اسم على وزن مفعال استعمل بمعنى المصدر ، أي قل لكم وقوع وعد يوم وتنجيزه . وقال الزمخشري : الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان ، وهو هاهنا الزمان ، والدليل عليه قراءة من قرأ ميعاد يوم فأبدل منه اليوم . انتهى . ولا يتعين ما قال ، إذ يكون بدلا على تقدير محذوف ، أي قل لكم ميعاد يوم ، فلما حذف أعرب ما قام مقامه بإعرابه . وقرأ الجمهور : مِيعادُ يَوْمٍ بالإضافة . ولما جعل الزمخشري الميعاد ظرف زمان قال : أما الإضافة فإضافة تبيين ، كما تقول : سحق ثوب وبعير سانية . وقرأ ابن أبي عبلة ، واليزيدي : ميعاد يوما بتنوينهما . قال الزمخشري : وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 79 .