أبي حيان الأندلسي
545
البحر المحيط في التفسير
لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، وهم عبدة منقادون دائما لا ينفكون عن ذلك ، لا إذا فزع عن قلوبهم ، ولا إذا لم يفزع ، وحمل ذلك على الملائكة حال الوحي لا يناسب الآية ، وكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، في قصة الوحي قال : « فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم » ، لا يدل على أن هذه الآية في الملائكة حالة تكلم اللّه بالوحي . والحديث رواه ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إذا تكلم اللّه عزّ وجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام ، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم ، فيقولون : يا جبريل ما ذا قال ربك ؟ قال فيقول الحق ، فينادون الحق » . وما قدره الزمخشري يحتمل ، إلا أن فيه تخصيص الذين زعمتم من دونه بالملائكة ، والذين عبدوهم ملائكة وغيرهم . وتخصيص من أذن له بالملائكة أيضا ، والمأذون لهم في الشفاعة الملائكة وغيرهم . ألا ترى إلى ما حكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، في « الشفاعة في قوله عزّ وجل ؟ » « 1 » . وقرئ : فزع مشددا ، من الفزع ، مبنيا للمفعول ، أي أطير الفزع عن قلوبهم . وفعل تأتي لمعان منها : الإزالة ، وهذا منه نحوه : قردت البعير ، أي أزلت القراد عنه . وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وطلحة ، وأبو المتوكل الناجي ، وابن السميفع ، وابن عامر : مبنيا للفاعل من الفزع أيضا ، والضمير الفاعل في فزع إن كان الضمير في عن قلوبهم للملائكة ، فهو اللّه ، وإن كان للكفار ، فالضمير لمغويهم . وقرأ الحسن : فُزِّعَ من الفزع ، بتخفيف الزاي ، مبنيا للمفعول ، و عَنْ قُلُوبِهِمْ في موضع رفع به ، كقولك : انطلق يزيد . وقرأ الحسن أيضا ، وأبو المتوكل أيضا ، وقتادة ، ومجاهد : فزع مشددا ، مبنيا للفاعل من الفزع . وقرأ الحسن أيضا : كذلك ، إلا أنه خفف الزاء . وقرأ عبد اللّه بن عمر ، والحسن أيضا ، وأيوب السختياني ، وقتادة أيضا ، وأبو مجلز : فرغ من الفراغ ، مشدد الراء ، مبنيا للمفعول . وقرأ ابن مسعود ، وعيسى افرنقع : عن قلوبهم ، بمعنى انكشف عنها ، وقيل : تفرق . وقال الزمخشري : والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين ، كما ركب قمطر من حروف القمط مع زيادة الراء . انتهى . فإن عنى الزمخشري أن العين من حروف الزيادة ، وكذلك الراء ، وهو ظاهر كلامه ، فليس بصحيح ، لأن العين والراء ليستا من حروف الزيادة . وإن عنى أن الكلمة فيها حروف ، وما ذكروا زائدا إلى ذلك العين والراء كمادة فرقع وقمطر ، فهو صحيح لولا إيهام ما قاله الزمخشري في هذه الكلمة ، لم أذكر هذه القراءة لمخالفتها
--> ( 1 ) بياض بجميع الأصول .