أبي حيان الأندلسي

539

البحر المحيط في التفسير

الأسفار التي طلبوها أولا ، ومن رفع ربنا فلا يكون الفعل إلا ماضيا ، وهي جملة خبرية فيها شكوى بعضهم إلى بعض مما حل بهم من بعد الأسفار . ومن قرأ باعد ، أو بعد بالألف والتشديد ، فبين مفعول به ، لأنهما فعلان متعديان ، وليس بين ظرفا . ألا ترى إلى قراءة من رفعه كيف جعله اسما ؟ فَكَذلِكَ إذا نصب وقرئ بعد مبنيا للمفعول . وقرأ ابن يعمر : بين سفرنا مفردا ؛ والجمهور : بالجمع . وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ : عطف على فَقالُوا . وقال الكلبي : هو حال ، أي وقد ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل . فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ : أي عظاة وعبرا يتحدث بهم ويتمثل . وقيل : لم يبق منهم إلا الحديث ، ولو بقي منهم طائفة لم يكونوا أحاديث . وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ : أي تفريقا ، اتخذه الناس مثلا مضروبا ، فقال كثير : أيادي سبايا عز ما كنت بعدكم * فلم يحل للعينين بعدك منظر وقال قتادة : فرقناهم بالتباعد . وقال ابن سلام : جعلناهم ترابا تذروه الرياح . وقال الزمخشري : غسان بالشام ، وأنمار بيثرب ، وجذام بتهامة ، والأزد بعمان ؛ وفي التحرير وقع منهم قضاعة بمكة ، وأسد بالبحرين ، وخزاعة بتهامة . وفي الحديث أن سبأ أبو عشرة قبائل ، فلما جاء السيل على مأرب ، وهو اسم بلدهم ، تيامن منهم ستة قبائل ، أي تبدّدت في بلاد اليمن : كندة والأزد والسفر ومذحج وأنمار ، التي منها بجيلة وخثعم ، وطائفة قيل لها حجير بقي عليها اسم الأب الأول ؛ وتشاءمت أربعة : لخم وجذام وغسان وخزاعة ، ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة ، وهم الأوس والخزرج ، ومنها عاملة وغير ذلك . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ : أي في قصص هؤلاء لآية : أي علامة . لِكُلِّ صَبَّارٍ ، عن المعاصي وعلى الطاعات . شَكُورٍ ، للنعم . والظاهر أن الضمير في عَلَيْهِمْ عائد على من قبله من أهل سبأ ، وقيل : هو لبني آدم . وقرأ ابن عباس ، وقتادة ، وطلحة ، والأعمش ، وزيد بن علي ، والكوفيون : صَدَّقَ بتشديد الدال ، وانتصب ظَنَّهُ على أنه مفعول بصدق ، والمعنى : وجد ظنه صادقا ، أي ظن شيئا فوقع ما ظن . وقرأ باقي السبعة : بالتخفيف ، فانتصب ظنه على المصدر ، أي يظن ظنا ، أو على إسقاط الحرف ، أي في ظنه ، أو على المفعول به نحو قولهم : أخطأت ظني ، وأصبت ظني ، وظنه هذا كان حين قال : لَأُضِلَّنَّهُمْ « 1 » ، وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ « 2 » ، وهذا مما قاله ظنا منه ، فصدق هذا الظن .

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 119 . ( 2 ) سورة الحجر : 15 / 39 .