أبي حيان الأندلسي
535
البحر المحيط في التفسير
وكانوا ثلاثة عشر نبيا ، دعوهم إلى اللّه تعالى ، وذكروهم نعمه ، فكذبوهم وقالوا : ما نعرف للّه نعمة ، فبين كيفية الانتقام منهم . كما قال : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها « 1 » ، إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ « 2 » ، فسلط اللّه عليهم الجرذ فأرا أعمى توالد فيه ، ويسمى الخلد ، وخرقه شيئا بعد شيء ، وأرسل سيلا في ذلك الوادي ، فحمل ذلك السد ، فروي أنه كان من العظم ، وكثر به الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين ، وحمل الجنات وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار . وروي أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات ، فهلكت بهذا الوجه . وقال المغيرة بن حكيم ، وأبو ميسرة : العرم في لغة اليمن جمع عرمة وهي : كل ما بني أو سنم ليمسك الماء . وقال ابن جبير : العرم : المسناة ، بلسان الحبشة . وقال الأخفش : هو عربي ، ويقال لذلك البناء بلغة الحجاز المسناة ، كأنها الجسور والسداد ، ومن هذا المعنى قول الأعشى : وفي ذاك للمؤتسي أسوة * مآرب عفى عليها العرم رجام بنته لهم حمير * إذا جاش دفاعه لم يرم فأروى الزروع وأشجارها * على سعة ماؤه إذ قسم فصاروا أيادي لا يقدرو * ن منه على شرب طفل فطم وقال آخر : ومن سبأ للحاضرين مآرب * إذا بنوا من دونه سيل العرم وقال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك : العرم اسم ، وإن ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني به . انتهى . ويمكن أن يسمى الوادي بذلك البناء لمجاورته له ، فصار علما عليه . وقال ابن عباس أيضا : العرم : الشديد ، فاحتمل أن يكون صفة للسيل أضيف فيه الموصوف إلى صفته ، والتقدير : السيل العرم ، أو صفة لموصوف محذوف ، أي سيل المطر الشديد الذي كان عنه السيل ، أو سيل الجرذ العرم ، فالعرم صفة للجرذ . وقيل : العرم اسم للجرذ ، وأضيف السيل إليه لكونه كان السبب في خراب السد الذي حمله السيل ، والإضافة تكون بأدنى ملابسة . وقرأ عروة بن الورد فيما حكى ابن خالويه : العرم ، بإسكان الراء تخفيف العرم ، كقولهم : في الكبد الكبد . ولما غرق من غرق ، ونجا من نجا ، تفرقوا وتحرفوا حتى ضربت العرب بهم المثل
--> ( 1 ) سورة الكهف : 18 / 57 . ( 2 ) سورة السجدة : 32 / 22 .