أبي حيان الأندلسي
521
البحر المحيط في التفسير
يعلمون القرآن المنزل عليك هو الحق . وقيل : ويرى منصوب عطفا على ليجزي ، وقاله الطبري والثعلبي ؛ وتقدّم الخلاف في الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ في ذلك المكان الذي نزلت فيه هذه السورة . وقال الزمخشري : أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علما لا يزاد عليه في الاتفاق ، ويحتجوا به على الذين كفروا وتولوا . ويجوز أن يريد : وليعلم من لم يؤمن من الأخيار أنه هو الحق ، فيزداد حسرة وغما . انتهى . وإنما قال : عند مجيء الساعة ، لأنه علق ليجزي بقوله : لَتَأْتِيَنَّكُمْ ، فبنى التخريج على ذلك . وقرأ الجمهور : الحق بالنصب ، مفعولا ثانيا ليرى ، وهو فصل ؛ وابن أبي عبلة : بالرفع جعل هو مبتدأ والحق خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى ، وهو لغة تميم ، يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ ، قاله أبو عمر الجرمي . والظاهر أن الفاعل ليهدي هو ضمير الذي أنزل ، وهو القرآن ، وهو استئناف إخبار . وقيل : هو في موضع الحال على إضمار ، وهو يهدي ، ويجوز أن يكون معطوفا على الحق ، عطف الفعل على الاسم ، كقوله : صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ « 1 » ، أي قابضات ، كما عطف الاسم على الفعل في قوله : فألفيته يوما يبير عدوه * وبحر عطاء يستحق المعابرا عطف وبحر على يبير ، وقيل : الفاعل بيهدي ضمير عائد على اللّه ، وفيه بعد . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : هم قريش ، قال بعضهم لبعض على جهة التعجب والاستهزاء ، كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه : هل أدلك على قصة غريبة نادرة ؟ لما كان البعث عندهم من المحال ، جعلوا من يخبر عن وقوعه في حيز من يتعجب منه ، وأتوا باسمه ، عليه السلام ، نكرة في قوله : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ ؟ وكان اسمه أشهر علم في قريش ، بل في الدنيا ، وإخباره بالبعث أشهر خبر ، لأنهم أخرجوا ذلك مخرج الاستهزاء والتحلي ببعض الأحاجي المعمولة للتلهي والتعمية ، فلذلك نكروا اسمه . وقرأ الجمهور : يُنَبِّئُكُمْ بالهمز ؛ وزيد بن علي : بإبدال الهمزة ياء محضة . وحكى عنه الزمخشري : ينبئكم ، بالهمز من أنبأ ، وإذا جوابها محذوف تقديره : تبعثون ، وحذف لدلالة ما بعده عليه ، وهو العامل إذا ، على قول الجمهور . وقال الزجاج ذلك ، وقال أيضا هو والنحاس : العامل مُزِّقْتُمْ . قال ابن عطية : هو خطأ وإفساد للمعنى . انتهى . وليس بخطإ ولا إفساد للمعنى ، وإذا الشرطية مختلف في العامل فيها ، وقد بينا ما كتبناه في ( شرح التسهيل ) أن الصحيح أن يعمل فيها فعل الشرط ، كسائر أدوات الشرط . والجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة لينبئكم ، لأنه في معنى يقول
--> ( 1 ) سورة الملك : 67 / 19 .