أبي حيان الأندلسي
510
البحر المحيط في التفسير
بها التمثيل على المحال ؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئا ، والمشبه به غير معقول . قلت : الممثل به في الآية ، وفي قولهم : لو قيل للشحم أين تذهب ؟ وفي نظائره مفروض ، والمفروض أن يتخيل في الذهن . كما أن المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحال المفروض ، لو عرضت على السماوات والأرض والجبال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها . انتهى . وقال أيضا : إن هذه الأجرام العظام قد انقادت لأمر اللّه انقياد مثلها ، وهو ما تأتى من الجمادات ، حيث لم يمتنع على مشيئته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة . كما قال : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 1 » . وأما الإنسان ، فلم يكن حاله فيما يصح منه من الانقياد لأوامر اللّه ونواهيه ، وهو حيوان صالح للتكليف ، مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد . والمراد بالأمانة : الطاعة ، لأنها لازمة للوجود . كما أن الأمانة لازمة للأداء ، وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز . وحمل الأمانة من قولك : فلان حامل للأمانة ومحتمل لها ، يريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها ، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها ، وهو حامل لها . ألا تراهم يقولون : ركبته الديون ؟ ولي عليه حق ؟ فأبين أن لا يؤدونها ، وأبى الإنسان أن لا يكون محتملا لها لا يؤديها . ثم وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة ، وبالجهل لخطئه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها . انتهى ، وفيه بعض حذف . وقال قوم : الآية من المجاز ، أي إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال ، رأيتهما أنهما لا تطيقها ، وأنها لو تكلمت ، لأبتها وأشفقت عنها ؛ فعبر عن هذا المعنى بقوله : إِنَّا عَرَضْنَا الآية ، وهذا كما تقول : « عرضت الحمل على البعير فأباه ، وأنت تريد بذلك مقارنة قوته بثقل الحمل ، فرأيتها تقصر عنه ؛ ونحوه قول ابن بحر » معنى عرضنا : عارضناها وقابلناها بها . فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها : أي قصرن ونقصن عنها ، كما تقول : أبت الصنجة أن تحمل ما قابلها . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، قال ابن عباس ، وابن جبير : التزم القيام بحقها ، والإنسان آدم ، وهو في ذلك ظلوم نفسه ، جهول بقدر ما دخل فيه . وقال ابن عباس : ما تم له يوم حتى أخرج من الجنة . وقال الضحاك ، والحسن : وحملها معناه : خان فيها ، والإنسان الكافر والمنافق والعاصي على قدره . وقال ابن مسعود ،
--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 11 .